خدعونا …
ميلود عرنيبة
ثارت الشعوب العربية وثرنا، وخرجت إلى الشارع وخرجنا، قالوا للنظام ارحل، وتأدبنا، قلنا نريد للفساد أن يودعنا.
وعجلت الشعوب، فتمهلنا وصبرنا، وواصلوا الخروج وولجنا.
لأن احتالوا علينا، فصدقنا.
قالوا لنا نزف لكم بشرى، تعديل الدستور أولوية أولى، وانتخابات ديموقراطية ستكون مثلى، والحرية، والعدل، وحقوق الإنسان أسس البنا.
فهاتوا طلباتكم في العلن، فقد ولّى زمن الظلم والمحن.
فسمعنا وصدقنا ولأمانينا أحصينا وعدّدنا : نريد الرغيف واللبن، وأن نحظى بوظائف ومهن، ونتعلم ونتطبب دونما ثمن، ونعيش في سلم وأمن.
وبدأت أحلامنا تكبر وتزداد : سيسقط الفساد، سيختفي الاستبداد، سنقتسم خيرات الوطن بين العباد، سيعم العدل والوداد، سيزدهر الاقتصاد، ستتقدم البلاد.
وعجلت الانتخابات؛ وسُعرت نار الحملات، ونُمّقت الشعارات، بالأماني المعسولات :
برامج فيها كل عجب، تُحيّر بين الصدق والكذب: سنعمم توزيع المهن، وسنوفر الدواء للجميع بدون ثمن، وسنعطي لكل مواطن في المدينة سيارة ودارا، وسيأتيه أكله وشربه كل عشية وإفطار، والسيجارة وجرائد الأخبار، وسنملأ الشارع بالورود والأشجار، والماء والكهرباء مجانا والبنزين والغاز بلا احتكار، وسنؤمن ضد الزلازل والعواصف والأمراض وكل الأخطار، وكل فلاح يسكن في الدوار، سنمكنه من عربة وحمار، وسنمنحه قطيعا من الغنم وآخر من الأبقار، وسنجهز له أرضا من عشرين هكتار، ونزوده بالحبوب والحصادة والجرار، وسنبني مدارس وكليات للشباب والصغار، وسينما ومستشفيات للكبار، وسنطارد التماسيح والعفاريت، ونسترجع المختلسات في أقرب المواقيت.
وقالوا سنستشيركم في كل خطوة ونشرككم في القرار، فما نحن إلا خدام وأنتم أصحاب الدار.
وأقسموا على ذلك بأغلظ الأيمان، فصدق الناس بعدما سحروا بهذا البيان.
فتحمس الناس، فالتغيير يبدو أنه سيكون من الأساس، فسارعوا إلى المكاتب، وقضوا بها المآرب، ممنين النفوس بتحقق المطالب.
وبعد النتائج، اطمأن كل ثائر وهائج، فقد تحققت الأمنية، وتتوجت الجهود بحكومة “إسلامية”.
ومر شهر، وشهران، وخمسة شهور، وطالت انتظارات الشعب المقهور، ومر عام، وعامان، وثلاثة أعوام، فاندثرت الأحلام، وتجرع الشعب مرارة الخيبة والآلام.
استأسد الذئب، وتحول من أمين إلى خبّ، فرمى كل أحلامنا في جب.
وأتانا بكل عجب.
أخلف كل الوعود، ونكث جميع العهود؛ فبدل النقص زاد في الوقود، وبدل الزيادة في الأجور حكم عليها بالجمود، واختلس جيوب الفقراء، وأعفى من الضريبة الكبراء، وزاد مؤخرا في تعريفة الكهرباء.
وفاجأنا في تماسيح وعفاريت التلف، حينما قال لهم عفى الله عما سلف.
ارتفعت نسبة الديون، وكثر الفجور والمجون، وامتلأت بسجناء الرأي السجون، كثرت البطالة، وهبط منحنى التنمية في عجالة.
عاد مؤشر الصحة للوراء، ولبى التعليم لربه النداء، واستفحلت المحسوبية والارتشاء.
فالشكوى لله وحده من هذا الوباء.
موازين، وكناوة وكل موسم، جعلوها للشعب مخدر ومنوّم، و سوف وسين الاستقبال، حقن لزرع سراب الآمال، ومناقشات البرلمان، مسرحيات أخرجت بإتقان، وشارة التبرع على البطون، لدر الرماد في العيون.
والدموع دموع أبناء يعقوب، لحشد الدعم واستمالة القلوب.
هذه هي حصيلة التغيير في بلدي، فلتشهد يا تاريخ على ما لاقيت من حسرة ونكد، ممن حسبتهم أهلي وسندي، واحتفظ بهذه الخدعة إلى الأبد، واحكيها لمن يأت بعدي من أبناء أبناء ولدي.
وعلمهم أن الرجال لا يغيّرون جلودهم، وأن المروءة التزام ووفاء بالعُهد.
ميلود عرنيبة -الصويرة