بايتاس في مأزق بعد منح صفقة رقمنة المجتمع المدني لشركتين في ملكية برلمانيين من الأحرار وغضب واسع للفاعلين بالقطاع

هبة زووم – رضا الطانجوي
كشف مصدر مطلع، كون المنتدى الوطني الثاني للمجتمع المدني الذي انعقد بمدينة طنجة، حول موضوع “التحول الرقمي لجمعيات المجتمع المدني”، ترأسه الوزير مصطفى بايتاس الناطق الرسمي باسم الحكومة المكلف بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، قد أغضب جمعيات وفدرالية شركات تكنولوجيا المعلومات ومنابر إعلامية محلية لم تتم دعوتها، لتغطية هذا المنتدى الوطني الذي نظم في تكتم شديد طيلة يومين (من 22 الى 23 دجنبر 2023) بفندق خمس نجوم  يقع على مسافة 23 كيلومتر من مدينة طنجة.

وقد تبين بعد نشر البلاغ لاحقا على موقع الوزارة، صحة الكواليس التي سبقت تنظيم هذا المنتدى الثاني المشبوه، بما فيها ظروف الصفقة الكبرى التي منحت لشركتين محسوبتين على خط حزب التجمع الوطني للأحرار وهما معا في ملكية مستشارين برلمانيين عن نفس الحزب.

ويتعلق الامر بتمرير صفقة كبرى ذات أهمية وطنية قصوى، تتضمن إسناد إنجاز ست 6 بوابات أنترنيت وطنية لشركتين وذلك من جهة بدون اللجوء لصفقة عمومية أو احترام لمبدأ المنافسة ومن جهة أخرى بدون استشارات مسبقة حول الاختيارات والمواصفات التكنولوجية من أجل إعداد ذفاتر التحملات مع الفاعلين بالقطاعين العام والخاص لتكنولوجيا المعلومات: بوابة وطنية للجمعيات، بوابة المواطنة للعمل الجمعوي التعاقدي، بوابة التعلم والتدريب والتحسيس عن بعد، بوابة الشراكات مع الجمعيات، بوابة جائزة المجتمع المدني وبوابة مركز التواصل والمواكبة المباشرة لمشاريع الجمعيات  (ملاحظة هامة: حسب البلاغ سيوجد مقر المركز الذي سيحدث حسب الصفقة  داخل المقر الرئيسي للشركة).

إستراتيجيات الرقمنة بالمغرب على محك المجتمع المدني في غياب القطاعات المتخصصة والتواصل

المصادر المطلعة، أشارت أن مشروع رقمنة “المجتمع المدني” المعترف به كفاعل استراتيجي من طرف الأمم المتحدة منذ القمة العالمية لمجتمع المعلومات “خطة عمل جنيف 2003” التي صادق عليها المغرب، كان أجدر بالوزير المعني الإعلان عنه بشفافية في بوابة الصفقات العمومية لإتاحة مشاركة جميع الشركات التكنولوجية ومراكز التواصل على الصعيد الوطني والجهوي، بدل منحه كهدية سخية  بمناسبة رأس السنة لفائدة شركتين تابعتين لشخصيتين من حزب التجمع الوطني للأحرار.

الكل يعلم أن استراتيجية الرقمنة هي في الأصل موضوع اهتمام ملكي سامي، حيث أصبحت الرقمنة أداة لتنمية كل القطاعات الوطنية، فالرقمنة حظيت باهتمام المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الذي خلص مؤخرا الى ضعف التنسيق بين القطاعات الحكومية في عمليات ضبط التنسيق الافقي وإعمال ومواكبة وتمويل مشاريع الرقمنة، وكذلك الى أهمية ربح رهان “الامن المعلوماتي” وضرورة الاستثمار في “الحوسبة السحابية” الضامنة “للسيادة الرقمية” وفق ذفاتر تحملات صارمة ومتوافق بشأنها بين كل الفاعلين المعنيين.

وقبله كانت الرقمنة موضوع تقرير المجلس الأعلى للحسابات الذي سطر اسباب فشل بعض محاور استراتيجية المغرب الرقمي 2013/2009  في تحقيق الأهداف المسطرة…

للأسف هذا الموضوع الاستراتيجي تحول، على مايبدو،  إلى أداة حزبية لتحقيق أهداف انتخابية وعلى رأسها التحكم في معلومات وبيانات الجمعيات على المستوى الوطني، وبالتالي استعمالها كآليات حزبية لمشاريع انتخابية مستقبلا. لهذا السبب تم الاعلان في موقع الوزارة الوصية عن توقيع صفقة رقمنة جمعيات المجتمع المدني بالمجان من طرف شركتين محظوظتين الأولى امبريوم ميديا  (IMPERIUM Media) والثانية مركز للتواصل (CX Centers) بصفتهما “شركتين مواطنتين”، حسب البلاغ الرسمي المنشور في موقع الوزارة الوصية.
الأسئلة التي تطرح نفسها  بشأن هذه الوضعية الشاذة هي: من هي الجهة المعترف بها وطنيا أو دوليا التي منحتهما هذا التتويج؟ وما هي الأعمال التي قامتا بها لتستحقا هذا اللقب؟ وما هو السند القانوني  لقرار إسناد الصفقة بدون أية منافسة وتفويض تدبير أكثر من مائتي ألف (200.000) جمعية؟ هل هناك ذفاتر تحملات تنص على مواصفات صادرة عن مكاتب دراسات معتمدة  تحدد جميع ضمانات الحوكمة لهذا المشروع لتجنب جميع المخاطر المرتبطة بالأمن السيبراني واستخدام بيانات الجمعية أو التحكم فيها على المستوى الوطني؟

كما نتساءل عن غياب المجلس الوطني لحماية البيانات الشخصية عن هذا الملتقى الوطني؟ وما هي حكاية كون الاتفاقية المبرمة معهما، في ظروف مشبوهة، تنص صراحة على وضع مقر احدى الشركتين كفضاء لاستقبال مسؤولي الجمعيات ومواكبة واحتضان مشاريعهم وعقد الشراكات معهم والتواصل معهم حضوريا وعبر مركز التواصل، وهذا في حد ذاته سلاح ذو حدين؟؟؟

مصادرنا، أشارت الى وجود، نقاشات واسعة في أوساط الشركات التكنولوجية الوطنية المتخصصة قد أثيرت،  بما فيها عدم إشراك فيدراليتها وكذا في أوساط المنابر الإعلامية المحلية التي لم تتم دعوتها لهذا “المنتدى الوطني” وتتساءل عن سبب انعقاد المنتدى بفندق بعيد عن المجال الحضري لطنجة واستدعاء التجمعيين فقط على رأسهم رئيس الجهة عمر مورو، كما تعبر  أيضا عن غضبها من تدبير الوزير بايتاس بصفة حزبية لهذا الورش الملكي.

موقف فدرالية تكنولوجيا المعلومات والخدمات المرحلة Apebi من الجدل حول مشروع الرقمنة

وللتأكد من وقع هذا الغضب وأبعاده أجرت الجريدة اتصالا هاتفيا مع رئيس فدرالية تكنولوجيا المعلومات  والخدمات المرحلة (Apebi) رضوان الحلوي وهي أكبر تجمع تكنولوجي بالمغرب يضم أكثر من 250 شركة متخصصة في الرقمنة، حيث أكد لنا من جانبه أن الوزارة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني لم تشرك  الفدرالية في دراسات و إعداد تصور هذا المشروع رغم كون الفدرالية من أبرز الشركاء في الرقمنة لوزارة الإنتقال الرقمي ولوكالة التنمية الرقمية التي خصص قانون إحداثها تعيين الفدرالية لأعضاء دائمين في مجلسها الإداري ولجانها المتخصصة.

وأضاف المتحدث أنه لم يتلق بصفته رئيس أي اتصال، أو دعوة لإشراك الفدرالية في هذا الورش الوطني، باستثناء اتصال هاتفي قبل 48 ساعة من انطلاق فعاليات المنتدى، حيث اخبر ان المنظمين خصصوا للفدرالية رواقا في التظاهرة ووجهت له الدعوة في اخر ساعة للحضور ولأخذ الصور فقط بدون برمجة اية مداخلة له في جدول أعمال الورشات أو خلال الجلسة الافتتاحية.

واعتبر المتحدث أن اختيار شركتين “للتدبير المباشر” و”لتنسيق” و”لمواكبة”  هذه العملية الرقمية الهامة دون الاعلان المسبق عن تفاصيلها يطرح العديد من التساؤلات خاصة على مستوى “الأمن المعلوماتي” و”المعطيات” الحساسة لمئات الآلاف من الجمعيات التي وجدت نفسها مفروض عليها التقيد بمنصات معينة، الشئ الذي يثير القلق بشأن التحكم في المعطيات المتعلقة بهذه الجمعيات واحتمال استعمالها لإهداف خاصة.

واعتبر المتحدث أن المنهجية السليمة المبنية على تجارب ناجحة دوليا في مجال الجمعيات تقتضي دعم الجمعيات مع احترام استقلاليتهم وتركهم يختارون من يشتغلون معهم بحرية ومساعدتهم على رقمنة تجاربهم من أجل تفادي الدخول في التأويلات المتعلقة بحصر جميع الجمعيات في خانة واحدة وهو ما يشكل ضربا في الديموقراطية التشاركية.

وأضاف أيضًا أن الفدرالية هي الشريك التكنولوجي الرئيسي للحكومة لمدة 32 عامًا شاركت خلالها في جميع أوراش الرقمنة الكبرى؛ فقد كانت عضو  في لجنة الحكومة الإلكترونية التي أعدت الاستراتيجيات الأولى للبلاد بما في ذلك “الاستراتيجية الرقمية للمغرب 2009-2013″، وممثلوها متواجدون في لجان وكالة التنمية الرقمية، ADD ومجلس إدارتها. بالإضافة إلى ذلك، فهي حاليا تشارك في اجتماعات اللجنة المكلفة بإعداد “استراتيجية المغرب الرقمي 2030” التابعة لوزارة الإنتقال الرقمي

ولم يخف رئيس الفدرالية استياءه إزاء المقاربة غير الشفافة لمشروع الرقمنة الضخم هذا، متسائلا عما إذا كان هناك إشراك فعلي وفعال لوزارة الانتقال الرقمي ولوكالة التنمية الرقمية في عملية إعداد هذا المشروع الذي يقع ضمن اختصاصاتهما.

كما قدم لنا  رئيس الفدرالية نموذج تجربة اوروبية ناجحة  لرقمنة الجمعيات منحت بمقتضاها  لكل جمعية الحق في “شيك الرقمنة” بمبلغ 500 اورو تصرفها لأية شركة تكنولوجية من اختيارها تتعاقد معها لتوفير آليات تحولها الرقمي وفق حد ادنى من الشروط التقنية الاساسية  والإختيارات التكنولوجية الضرورية لضمان الأمن المعلوماتي والخدمات التشاركية ونجاعة التشبيك.

كما ركز السيد الحلوي على رهانات الأمن المعلوماتي لرقمنة وتجميع بيانات كل الجمعيات الوطنية وخاصة منها تلك التي لها أنشطة مرتبطة بحقوق الانسان أو فئات معينة من المجتمع… مضيفا أنه يوصي بتكليف لجنة وزارية من ضمنها ممثلي القطاع الخاص والمجتمع المدني

وختم المتحدث قوله بأن دور الفدرالية منذ تأسيسها قبل 32 سنة بصفتها فاعلا أساسيا في أوراش الرقمنة بالمغرب الى جانب الحكومة، هو تقديم رؤية استراتيجية ذات بعد وطني والتنبيه عن أية انزلاقات محتملة قبل وقوعها.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد