الموظفون الأشباح بالدار البيضاء… لوبيات فاسدة تتحدى القانون والوالي امهيدية في مرمى الانتقادات

هبة زووم – إلياس الراشدي
في مشهد يعكس تدهورًا مقلقًا في منظومة المرفق العمومي، تشهد عدة إدارات ترابية بالعاصمة الاقتصادية الدار البيضاء حالة من الفوضى الإدارية غير المسبوقة، تُدار بمنطق “الفوضى الخلاقة” حيث تحضر فئة من الموظفين فقط لذر الرماد في العيون، بينما تغيب الأغلبية عن أداء مهامها، في استهتار سافر بالقانون وبمصالح المواطن.
المثير في الأمر، أن هذه الظاهرة التي صارت تُعرف شعبيًا بـ”الموظفين الأشباح”، لم تعد مجرد حالات معزولة، بل تحوّلت إلى منظومة كاملة متكاملة، تحظى بحماية ضمنية من لوبيات فاسدة، تجد في صمت المسؤولين وتغاضيهم تربة خصبة للتمدد، حتى غدا الحضور إلى مقر العمل مسألة اختيارية، والمصلحة العامة آخر ما يُحسب له حساب.
شهر رمضان، الذي يُفترض أن يكون مناسبة لمزيد من الإخلاص والانضباط، أضحى لدى هؤلاء الموظفين مناسبة لـ”عطلة موسمية”، يغيبون فيها عن مكاتبهم، ليقضوا شؤونهم الشخصية أو للراحة والنوم، فيما تُعطّل مصالح المواطنين الذين يُفترض أن تُفتح لهم الأبواب ويُوفّر لهم الحد الأدنى من الخدمة.
وما يزيد الطين بلة، هو ما يُوصف بـ”سياسة أذن من طين وأخرى من عجين”، التي يسلكها بعض المسؤولين، حيث يُغلق الهاتف في وجه المشتكين، وتُواجه تظلمات المتضررين بالتجاهل التام، في وقت بات فيه المواطن البسيط هو الحلقة الأضعف في معادلة يفترض أن يكون فيها هو الأولوية.
المسؤولية المباشرة، بحسب مصادر متطابقة، تقع على عاتق المدير العام للمصالح داخل الجماعات، و”العمدة” باعتبارهما الضامنين لحُسن سير العمل الإداري، حيث يفترض أن يتم تفعيل نظام الحضور والانصراف بالتوقيع، وتطبيق مبدأ “الأجر مقابل العمل” بشكل صارم، بدل التساهل أو التواطؤ الذي ساهم في انتشار الظاهرة.
الأدهى من ذلك، أن هذه الفئة المحمية بنفوذ نقابي أو سياسي، تستفيد بشكل عادي من الترقيات، والمنح، وتعويضات الأعياد والمناسبات، في حين يُفترض أن تُطبق عليها مقتضيات القانون 81.12 المتعلق بالاقتطاع من رواتب الموظفين المتغيبين عن العمل بصفة غير مشروعة. لكن، كما يبدو، لا صوت يعلو فوق منطق “باك صاحبي” و”دير ما بغيت راه اللي فوق راضي عليك”.
ويُثير هذا الوضع أسئلة مشروعة حول دور والي جهة الدار البيضاء-سطات، سعيد مهيدية، الذي لم يعد يظهر له أثر في مواجهة هذا التسيب الإداري، رغم أن الأمر يُعتبر من صميم اختصاصاته كسلطة وصية على الجماعات، وكممثل للحكومة على مستوى الجهة. فهل عجز الوالي عن تطويق نفوذ هذه اللوبيات؟ أم أن هناك حسابات سياسية تُعطّل كل محاولة جادة للإصلاح والمحاسبة؟
الوضع الحالي في الدار البيضاء لا يُسيء فقط للإدارة المغربية، بل يضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص، ويُحبط الآلاف من حاملي الشهادات والكفاءات الذين يطالبون بحقهم الدستوري في الشغل، بينما تُهدر الأجور على “أشباح” لا يؤدون من الوظيفة سوى حمل بطاقة مهنية ورفع شعارات نقابية لحماية مصالحهم الخاصة.
إن استمرار هذه الممارسات، في ظل غياب رادع إداري وقانوني، يُشكل تهديدًا مباشرًا لصورة الدولة، ويُعمّق فجوة الثقة بين الإدارة والمواطن، ما لم يُبادر المعنيون إلى فتح تحقيقات صارمة، تُفضي إلى محاسبة المتورطين، واسترجاع ما تم نهبه من أموال دافعي الضرائب تحت يافطة “الوظيفة العمومية”.
فهل تتحرك وزارة الداخلية أخيرًا لفرض هيبة القانون؟ أم أن الدار البيضاء ستظل نموذجًا صارخًا لتغوّل الفساد الإداري وغياب المحاسبة؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد