الحوز: صناديق الفساد تنفجر بصمت والعامل بنشيخي يجني ثمار خارطته الانتخابية الفاشلة

هبة زووم – أبو العلا العطاوي
في إقليم الحوز، حيث الجبال تُخفي الفقر كما يُخفي الغبار معالم الطرقات المهترئة، تتوالى الصفعات التنموية في صمت، لا بفعل الطبيعة فقط، ولكن بتواطؤ السلطة التي اختارت الصمت أمام ما يحدث وانتخاباتٍ تحوّلت إلى سوق لمجموعة من الفاشلين.
العامل رشيد بنشيخي، الذي بُعث إلى الحوز بملف “التنمية”، يبدو اليوم وكأنه يجني ثمار هندسة انتخابية خاطئة، بل محملة بألغام قابلة للانفجار في أي لحظة ومراكز نفوذ موغلة في العبث.
ففي عمق المشهد، ميزانيات تُوزّع كما تُوزّع الغنائم، وعبر صفقات تُبرم لا لتشييد مشاريع، بل لتغذية “صناديق سوداء” لا يُعرف من يفتحها، ولا ما إن كانت تُراجع أصلًا.
في الحوز، تتحول الاعتمادات إلى مادة أولية للمحاباة السياسية، تُفصّل المشاريع على مقاس الولاءات، وتُمرر باسم “التراضي”، وتمر كما تمرّ قوافل المواسم: بصخب في الواجهة، وصمت مطبق خلف الستار.
رؤساء جماعات لا يفرّقون بين ميزانية التسيير وميزانية التجهيز، لكنهم يوقعون على صفقات بملايين الدراهم، تنتهي غالبًا في حفرة إسمنتية، أو في نافورة بلا ماء وسط حي يعاني من الجفاف المائي والإنساني، المشاريع هنا، إن وُجِدت، تكون إمّا منسوخة، أو مكررة لمرات ثلاث، أو منجزة فقط على الورق.
المال العمومي، الذي يفترض أن يكون أداة للعدالة المجالية، بات في الحوز مجرد أداة لإعادة إنتاج نفس الوجوه، والخرائط، والمآسي، دفاتر التحملات تُصاغ بلغة لا تُقرأ، والعروض تفتح وتغلق حسب “المصلحة”، أما “المساطر” فتبقى ذلك الكائن الغامض الذي يُستدعى فقط لترهيب كل من يجرؤ على طرح السؤال الخطأ.
القنابل في هذا المشهد لا تُحدث دوياً، بل تنفجر في صمت قاتل، في شكل طرق محفرة، ومدارس بلا أساتذة، ومراكز صحية تئن في العراء، وجمعيات توزع المساعدات عوض الدولة، في المقابل، تتضخم “الكروش”، وتُشيد الفيلات في الخفاء، وتُقتنى السيارات الفارهة من جيب الدولة باسم “اللوجستيك”.
ورغم كل هذا الخراب، تستمر السلطة الإقليمية في غض الطرف أو المشاركة في صناعة “الوهم التنموي”، وهو ما يضع العامل بنشيخي في قلب المساءلة، باعتباره الضامن للمشروعية والوصاية على الجماعات، لا المتفرج على العبث.
فالهندسة الانتخابية التي سهّلت عودة “أعيان العبث” إلى التحكم في المجالس، تتحمل اليوم نتائجها الوخيمة، إذ لا يمكن الحديث عن تنمية دون تنظيف الطاولة ممن جعلوا من الحوز ضيعة شخصية تدار بمنطق “الحصانة مقابل الولاء”.
إن ما يحدث في الحوز اليوم ليس سوى مرآة مشوهة لمسلسل طويل من “الإفلات من المحاسبة”، وهو ما يجعل السؤال الأكبر أكثر إلحاحًا: هل يملك العامل الجرأة السياسية والمؤسساتية لإعادة الأمور إلى نصابها، أم أنه مجرد امتداد لعهدٍ أدمن التسويات الرمادية على حساب ساكنة لا تطلب أكثر من حقها في الماء، والصحة، والتعليم؟
الحوز لا يحتاج إلى مشاريع وهمية، بل إلى مراجعة عميقة لمنظومة التسيير المحلي، تبدأ من فتح ملفات الصفقات العمومية، مرورًا بمحاسبة “أمراء الجماعات”، وصولًا إلى مساءلة السلطة الإقليمية نفسها عن دورها في هذا الركام الإداري والتنفيذي.
ولأن استمرار هذا الوضع لا يعني فقط فشلًا تنمويًا، بل تآمرًا على جغرافيا بأكملها، وعلى ساكنة أنهكها الزلزال والإقصاء وها هي اليوم تعاني من زلزال آخر اسمه الفساد.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد