برلمان الغياب الجماعي: مؤسسات تحتضر وقوانين بالغة الحساسية تمرّ في فراغ سياسي مقلق

هبة زووم – محمد خطاري
في مشهد يعكس الانهيار الصامت لقيمة العمل النيابي، شهدت الجلسات البرلمانية الأخيرة غيابات جماعية فاضحة، سواء في صفوف النواب أو الوزراء، ما يُنذر بأزمة غير مسبوقة في علاقة المؤسسات مع انتظارات الشعب ومبدأ الديمقراطية التمثيلية.
الجلسة العمومية المنعقدة يوم الثلاثاء، والتي خُصصت للتصويت على قوانين بالغة الحساسية والاستراتيجية، تحوّلت إلى استعراض فجّ للغياب الجماعي، بعدما سجل حضور أقل من 100 نائب من أصل 395.
كارثة تمثيلية بكل المقاييس، خصوصًا أن القوانين المعروضة للنقاش والتصويت همّت مشروع قانون المسطرة الجنائية، وتنظيم مهنة الترجمة المحلفة، وأيضًا قانون المجلس الوطني للصحافة.
ورغم الطابع الجوهري لهذه النصوص، فقد صادق البرلمان على قانون المسطرة الجنائية، الذي يمسُّ جوهر العدالة وضمانات المحاكمة العادلة، بحضور 62 نائبًا فقط، صوت 47 منهم لفائدته مقابل 15 معارضًا، في مشهد يفتقر لأدنى شروط النقاش التشريعي الجاد.
ولم تكن الجلسة الخاصة بمشروع قانون تنظيم حق الإضراب، وهو حق دستوري أثار جدلاً طويلاً في البلاد، أفضل حالًا، إذ حضرها فقط 104 نواب، وتم تمرير القانون بأغلبية 84 صوتًا، في وقت كان ينتظر فيه المغاربة نقاشًا موسعًا ومقاربة تشاركية تُراعي حساسية الملف وموقعه من التوازن الاجتماعي.
الأمر تكرر حتى في جلسة مناقشة مشروع قانون المالية، التي تُعد لحظة دستورية مفصلية، حيث غاب أكثر من نصف أعضاء مجلس النواب، لتُطرح تساؤلات حقيقية حول معنى التمثيل السياسي ومصداقية النقاش العمومي حول أولويات الإنفاق وتوزيع الثروة.
الغريب أن الغياب لم يقتصر على النواب فقط، بل طال أيضًا عددا من الوزراء، حيث لم يحضر بعضهم جلسة الأسئلة الشفهية ليوم الإثنين، مما اضطر رئاسة المجلس إلى رفع الجلسة لعدم توفر النصاب التنفيذي للحكومة، في سابقة تهز من صورة التفاعل الحكومي مع البرلمان، وتُضعف فكرة الرقابة الدستورية.
ورغم أن رئاسة مجلس النواب وجّهت مراسلة رسمية إلى الحكومة لحث أعضائها على الالتزام بالحضور، إلا أن عدم التجاوب يُؤشر إلى استخفاف بمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ويُفرغ النصوص الدستورية من محتواها، ويزيد من فجوة الثقة بين المواطنين ومؤسساتهم.
مراقبون يرون أن ما يجري داخل قبة البرلمان لم يعد مجرّد مؤشرات عَرَضية، بل هو عرض حاد لأزمة مؤسساتية بدأت تتغلغل في مفاصل النظام السياسي المغربي، في ظل تراجع وهج المشاركة السياسية، واحتقار الناخب عبر سلوك برلماني هجين، وغياب روح الجدية والالتزام.
لقد تحوّل البرلمان – في نظر قطاع واسع من المواطنين – إلى فضاء صوري تمر عبره مشاريع حساسة بلا مناقشة ولا مساءلة، في وقت تتفاقم فيه الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، ويشتد الخناق على الفئات المتوسطة والهشة، التي كانت تأمل في مؤسسة تشريعية تنقل صوتها وآلامها.
إن استمرار هذا النهج يُهدد ليس فقط وظيفة البرلمان، بل مشروع الانتقال الديمقراطي برمته، ويُسائل الدولة والمجتمع عن مستقبل الممارسة السياسية وجدوى المؤسسات، ما لم يتم إطلاق رجة قوية تعيد الاعتبار للفعل البرلماني، وتربط الحضور بالواجب، والصوت بالضمير.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد