بين 1500 درهم وهاجس الطرد.. معاناة عاملات النظافة بمستشفى سطات تكشف الوجه القبيح للمناولة

هبة زووم – أحمد الفيلالي
في مغرب 2025، حيث تُرفع الشعارات الاجتماعية كأوسمة رسمية، لا تزال آلاف الأيدي العاملة تعيش في صمت قسري داخل زنزانات “المناولة”، تلك الآلية التي تحوّلت إلى عبودية مقنّعة بمباركة القانون.
آخر فصول هذه المأساة تُعرض اليوم داخل أروقة المستشفى الجهوي الحسن الثاني بسطات، حيث فجّرت نقابات القطاع الصحي فضيحة مدوّية حول أوضاع عاملات النظافة.
ففي مؤسسة يُفترض أن تكون فضاءً للكرامة الإنسانية والعلاج، تعمل العشرات من النساء في ظروف لا تقل قسوة عن الاستعباد: 12 ساعة متواصلة يومياً، من الثامنة صباحاً إلى الثامنة ليلاً، مقابل أجر هزيل لا يتجاوز 1500 درهم شهرياً.. أجرة لا تكفي لسد أبسط حاجيات العيش، لكنها تُفرض عليهن تحت تهديد واضح: “اقبلي أو الطرد”.
استغلال مُقنّن
المفارقة الكبرى تكمن في أن الدولة نفسها تؤدي ميزانية هذه العقود، لكن عبر شركات وساطة وُصفت بأنها “سماسرة قانونيون”، تقتطع حصتها أولاً وتترك الفتات للعاملات.
وهكذا يصبح العقد الهش أداةً لتجريدهن من أي حق في الترسيم أو الاستفادة من التأمين الصحي أو حتى المطالبة بالكرامة.
النقابيون الذين دقوا ناقوس الخطر وصفوا هذه الوضعية بأنها وصمة عار في جبين المنظومة الصحية، معتبرين أن ما يجري لا يقل عن الاتجار بالبشر في وضح النهار، حيث تتحوّل مؤسسات المناولة إلى “حوانيت حديثة” لبيع اليد العاملة بالجملة بأثمان بخسة، بينما تُقدَّم الخدمات الصحية للمواطن على حساب عرق العاملات ودموعهن.
صمت رسمي ومرارة اجتماعية
الأخطر، وفق متتبعين، هو صمت الدولة عن هذا الواقع، بل وتطبيعها مع هذه الممارسات من خلال استمرار تفويض خدمات أساسية كالنظافة والحراسة والتغذية لشركات خاصة، دون حسيب أو رقيب.
وهو ما يجعل هذه الوضعية تتجاوز مجرد فضيحة إدارية إلى كونها سياسة ممنهجة لتكريس هشاشة الشغل واستباحة كرامة الفئات الهشة.
إلى متى؟
بين استغلال الشركات، وتغاضي الدولة، وصمت المجتمع، تبقى عاملات النظافة في مستشفى سطات صورة حية لوجه آخر من “التنمية”: وجه يرفع شعارات العدالة الاجتماعية في المنابر الرسمية، لكنه يرسّخ واقع العبودية المقنّعة في المؤسسات العمومية.
ويبقى السؤال الحارق: متى ستجرؤ الدولة على إنهاء هذا العار المسمى “المناولة”؟ أم أن الأجوبة ستبقى مؤجلة، تماماً مثل حياة عاملات أُجبرن على الاختيار بين “1500 درهم أو الطرد”.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد