هبة زووم – طه المنفلوطي
في شهر يُفترض أن يكون ملاذاً للروحانيات والتضامن الخالص، تحولت موائد الرحمان في آسفي إلى ساحات لمعارك سياسية خفية، حيث لم تعد المبادرات الاجتماعية مجرد فعل خيري، بل أصبحت هدفاً لحملات ممنهجة تهدف إلى تسييس التضامن وابتزاز الفاعلين الاقتصاديين.
فما حصل مع مبادرة شركة “سافياك” لتوزيع 5000 قفة رمضانية، نصفها مخصص للساكنة المتضررة من الفيضانات، لم يكن مجرد نقد عابر، بل كشف النقاب عن لوبيات نفوذ ترى في العمل الخيري تهديداً لمصالحها، وتستخدم كرامة المواطن درعاً لتمرير أجندات ضيقة.
وفي هذا السياق، أقدمت شركة “سافياك” على مبادرة اجتماعية ملموسة، توزعت بين دعم الأسر الهشة ومواساة المتضررين من الفيضانات، في خطوة تعكس مسؤولية القطاع الخاص تجاه محيطه الاجتماعي، لكن بدلاً من أن تكون هذه المبادرة حافزاً للتنافس الإيجابي بين الفاعلين الاقتصاديين، تحولت إلى هدف سهل لأطراف اعتادت الاصطياد في الماء العكر.
فقد خرجت أصوات، عبر منابر إعلامية معينة، لتصوير المبادرة على أنها إهانة للمواطنين وتركيع لهم، في خطاب متعالٍ يفتقر لأدنى معايير الموضوعية.
والسؤال الذي يفرض نفسه في هذه الحرب المفتعلة: من يملك حق الحديث باسم كرامة الفقير بينما يُغفل عن حقيقة أن المبادرة جاءت استجابة لحاجة ملموسة، وليس إكراهاً؟ وأي دفاع عن الكرامة هذا الذي يتجاهل معاناة الناس الحقيقية لصالح شعارات رنانة؟
الأكثر خطورة في هذا الملف، هو أن نفس الأطراف التي هاجمت مبادرة “سافياك”، هي نفسها التي تقود حملة إعلامية ملتوية ضد عمالة إقليم آسفي، في محاولة مكشوفة للضغط على المؤسسات والدفاع عن لوبيات سياسية اعتادت التحكم في المشهد المحلي.
ويكشف المتتبعون أن وراء هذا الضجيج الإعلامي، رغبات في حماية مصالح ضيقة، ورهاباً من أي تغيير قد يمس نفوذاً متوارثاً، فحين يُهاجم فاعل اقتصادي لا علاقة له بالصراع السياسي، مثل “سافياك”، فإن الهدف الحقيقي ليس حماية المواطن، بل إرسال رسائل تهديد لكل من قد يفكر في المساهمة في التنمية خارج دائرة النفوذ التقليدية.
وفي هذا الإطار، يمكن القول بكل أريحية على أن تحويل العمل الصحفي إلى أداة لتصفية الحسابات، واستعمال المنابر الإعلامية كوسيلة ابتزاز مبطن، يكشف عن انحراف خطير عن أخلاقيات المهنة، فبدلاً من تسليط الضوء على المشاريع الحقيقية وتقييم أدوار الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين بموضوعية، يتم تعويض ذلك بخطاب شعبوي قائم على التهويل والتشويه.
وزجّ فرضيات الحملات الانتخابية والأجندات الخفية في ملف شركة صرّح مسؤولوها بأن لا علاقة لها بالسياسة ولا بتطاحناتها، هو أسلوب مكشوف لم يعد ينطلي على أحد، هدفه خلق ضجيج إعلامي لتغطية ملفات أكثر حساسية، تتعلق بتدبير الشأن العام داخل بعض المجالس، والتهرب من مساءلة من أثبتوا بالملموس إهدارهم للمال العام وتجاهلهم لمعاناة الساكنة.
والإهانة الحقيقية ليست في توزيع قفة رمضانية لمن يحتاجها، بل في الدفاع عن سياسيين أثبتوا بالملموس أنهم يهينون ساكنة آسفي صباح مساء، عبر اعتماد مقررات لا تخدم التنمية، أو مهاجمة أي مبادرة قد تنتشل المواطنين من عوزهم بعيداً عن المواسم الانتخابية.
فاللوبيات المعروفة بالإقليم، التي أكلت الضرع وأفسدت الزرع، تحاول اليوم ركوب موجة الدفاع عن الساكنة لنيل إشهارات رخيصة، أو للضغط من أجل امتيازات، بينما تغض الطرف عن السياسات الهيكلية التي تُفقِر المواطن وتُهدر كرامته يومياً عبر غلاء المعيشة وضعف الخدمات.
وأمام هذا الوضع، يطرح أكثر من سؤال: إلى متى سيستمر هذا الخلط بين الإعلام والسياسة؟ ومن يحمي المبادرات الاجتماعية من حملات التشهير الممنهجة؟
فالمرحلة اليوم تفرض تدخلاً واضحاً من الجهات الوصية، وليس لتكميم الأفواه، بل لوضع حد لممارسات الابتزاز المقنع، وتفعيل لجان الافتحاص والتدقيق لكشف حقيقة ما يجري داخل بعض المجالس، وترتيب المسؤوليات على أساس ربط المسؤولية بالمحاسبة.
فخدمة ساكنة آسفي لا تكون بتضليلها، ولا باستغلال هشاشتها في معارك سياسية، بل بالوضوح، والشفافية، والعمل الجاد، وكل ما عدا ذلك مجرد ضجيج لن يحجب الحقيقة طويلاً، فإما أن نتجه جميعاً نحو ثقافة المسؤولية المشتركة التي تحمي العمل الخيري من التسييس، وتُحاسب من يسيء استخدام الإعلام، وإما أن نستمر في ثقافة الهدم التي تُبعد المستثمرين وتُيأس المواطنين.
تعليقات الزوار