هبة زووم – الرباط
في خطوة تعكس تزايد السخط الشعبي حول سياسة التوقيت المعتمدة في المغرب، حصدت عريضة إلكترونية للمطالبة بحذف الساعة الإضافية والعودة إلى التوقيت القانوني عشرات آلاف التوقيعات، وذلك قبل يومين فقط من إعادة ضبط عقارب الساعة على توقيت غرينتش بإضافة ستين دقيقة.
هذه العريضة، التي أطلقها نشطاء مهتمون بالشأن الصحي والاجتماعي، لم تكن مجرد رد فعل عاطفي، بل جاءت مدعمة بحجج علمية وعملية تُظهر التأثير السلبي للتغيير الموسمي للتوقيت على جودة الحياة، مما يضع صناع القرار أمام مسؤولية الاستماع لصوت المواطنين ومراجعة سياسة قد تكون أقل كلفة سياسياً منها على الصحة العامة والإنتاجية الوطنية.
ويُؤكد النشطاء الذين أطلقوا العريضة أن اعتماد الساعة الإضافية في المغرب يعكس تحدياً يومياً للمواطنين ويمس بجودة حياتهم، موضحين أن التحول المفاجئ في التوقيت يعني اضطرابات متواصلة في الساعة البيولوجية، مما يؤثر سلباً على الأداء الأكاديمي والدراسي والمهني، وكذلك الصحة النفسية والجسدية للجميع.
ويستند هذا التحذير الصحي إلى دراسات علمية تُثبت أن تغيير التوقيت بشكل مفاجئ يُسبب اضطرابات في النوم والأرق المزمن، وتراجعاً في التركيز والقدرة على الاستيعاب، خاصة لدى الطلاب والتلاميذ، بالإضافة إلى زيادة في حالات التوتر والقلق، وتأثيراً سلبياً على الجهاز المناعي والقلب والأوعية الدموية.
فكيف يمكن تبرير سياسة تُهدد الصحة العامة لمجرد مواءمة توقيت تجاري مع دول أوروبية؟ وأي تنمية هذه التي تُضحي بصحة المواطنين من أجل تزامن اقتصادي مشكوك في نجاعته؟
وفي سياق متصل، أوضح النشطاء في مقدمة العريضة أن الساعة الإضافية تؤثر بشكل واضح على تركيز الطلاب والتلاميذ وقدرتهم على استيعاب المعلومات، مما ينعكس سلباً على جودة التعليم.
ويطرح هذا البعد التربوي إشكاليات استراتيجية حول ضرورة أخذ آراء الأساتذة والأطباء المدرسيين في تقييم تأثير التوقيت على التحصيل الدراسي، وأهمية إجراء دراسات الأثر التي تقيس تأثير تغيير التوقيت على نتائج التلاميذ في الامتحانات الوطنية.
كما يتساءل النشطاء عن كيفية ضمان عدالة تعليمية بينما يُفرض على جميع التلاميذ، بغض النظر عن مناطقهم أو ظروفهم، والتكيف مع توقيت قد لا يناسب إيقاعهم البيولوجي، كون تحويل التوقيت من أداة تنظيم إلى عامل تشتيت لا يُهدر فقط فرص التعلم، بل يُرسّخ ثقافة القرار من فوق التي تُغفل صوت المستفيدين الأوليين من السياسات العمومية: التلاميذ وأسرهم.
وأشار المصدر ذاته إلى تأثير الساعة الإضافية على الإنتاجية في العمل والممارسات المهنية، حيث يفقد العمال والموظفون والأجراء قدرتهم على الأداء الأمثل تحت تأثير هذا التوقيت غير المناسب.
كما يُضيف النشطاء: “نتصدى لمشاكل أمنية متعددة تنجم عن تضارب أوقات العمل والتنقل بما لا يتناسب مع الفطرة الإنسانية الطبيعية”، ويطرح هذا التحذير الاقتصادي والأمني أسئلة محرجة حول ضرورة إجراء دراسات ميدانية لقياس تأثير التوقيت على إنتاجية القطاعات الحيوية، وأهمية مقارنة تكاليف الساعة الإضافية الاجتماعية بفوائدها المزعومة، كما يتساءل المواطنون عن كيفية ضمان سلامة الطرق بينما يُجبر السائقون على التنقل في أوقات قد لا تتوافق مع يقظتهم البيولوجية.
وشدد النشطاء على أن الحاجة إلى استعادة ضبط الساعة للطبيعة لا ترتبط فقط برغبة فردية، بل بضرورة حيوية لنمط حياة متزن ومستقر، حيث دعوا صناع القرار إلى إعادة النظر في هذه السياسة وإعادة ضبط التوقيت ليتوافق مع التوقيت الطبيعي، مؤكدين أن تحقيق التوازن في الحياة اليومية يعود بالفائدة على الجميع.
ويطرح هذا النداء العقلاني سؤالاً وجودياً حول ضرورة تنظيم استفتاء شعبي أو مشاورات واسعة حول سياسة التوقيت قبل اتخاذ أي قرار دائم، وأي ديمقراطية تشاركية هذه التي تُغفل رأي عشرات الآلاف من الموقعين على العريضة.
أمام تصاعد وتيرة المطالبة بإلغاء الساعة الإضافية، تجد الحكومة المغربية نفسها في موقف حرج: بين ضغوط مواءمة التوقيت مع الشركاء الأوروبيين، ومطالب المواطنين الصحية والاجتماعية الملحة.
فإما أن تختار الاستجابة لصوت الشعب وتُعيد التوقيت الطبيعي كخطوة شجاعة تعكس أولوية الصحة العامة، وإما أن تستمر في سياسة المواءمة التي قد تُكلف البلاد غالياً على مستوى الصحة والإنتاجية والتماسك الاجتماعي.
لم يعد مقبولاً أن تُترك قضية التوقيت رهينة الاجتهادات البيروقراطية والصمت السياسي، ما يحتاجه المواطنون والمهتمون بالشأن الصحي والاجتماعي اليوم هو فتح حوار وطني جاد حول سياسة التوقيت، بمشاركة خبراء في الصحة والتعليم والاقتصاد والمجتمع المدني.
كما يتطلب الأمر إجراء دراسات علمية مستقلة لقياس الأثر الحقيقي للساعة الإضافية على الصحة العامة والإنتاجية والسلامة الطرقية، مع تنظيم استشارة شعبية لقياس اتجاهات الرأي العام حول التوقيت قبل اتخاذ أي قرار نهائي.
ويُنتظر أيضاً مراجعة شاملة للمبررات الاقتصادية لاعتماد الساعة الإضافية، مع مقارنة تكاليفها الاجتماعية بفوائدها المزعومة، واعتماد شفافية كاملة في عملية اتخاذ القرار، مع نشر مبررات أي خيار يتم اعتماده للرأي العام.
فما تعيشه المغرب مع جدل الساعة الإضافية ليس خلاً تقنياً عادياً، بل هو اختبار لمصداقية الحكامة الصحية وقدرة الحكومة على تجاوز عقلية المواءمة الخارجية لخدمة المصلحة العامة الداخلية.
تعليقات الزوار