هبة زووم – الرباط
بينما تطلق الحكومة المغربية شعارات براقة عن الورشة الرقمية الكبرى وتعميم الأداء الإلكتروني كرافعة للشفافية والشمول المالي، يصطدم التاجر المغربي الصغير بواقع مرير على أرض المحل: عمولات بنكية مجحفة تحول جهاز الأداء الإلكتروني (TPE) من أداة تسهيل إلى عبء جاثم.
ففي وقت تتحدث فيه وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح عن دعم القدرة الشرائية، يأتي سؤال برلماني حاد ليكشف المستور: الدولة تدعو للرقمنة، لكن رسومها تدفع نحو الاقتصاد الموازي والنقد الأسود.
ولا يخفي النائب البرلماني نبيل الدخش، في سؤاله الكتابي الأخير، حجم الاستياء المتصاعد في أوساط المهنيين، أصحاب المحلات الصغرى والمتوسطة، الذين يعانون أصلاً من هامش ربح هش وتكاليف تشغيل مرتفعة، يجدون أنفسهم أمام خيار مستحيل: إما قبول عمولات الاقتطاع على عمليات البطاقة البنكية التي تلتهم جزءاً معتبراً من ربحهم، أو الاعتذار للزبون والعودة للتعامل النقدي فقط.
المعضلة بسيطة ومفجعة في آن واحد: كيف يُطلب من تاجر يبيع سلعة بهامش ربح لا يتجاوز 10%، أن يتنازل عن 2% أو أكثر منها كعمولة بنكية؟ النتيجة الحتمية هي ما أكده البرلماني: امتناع كثير من التجار عن توفير خدمة الأداء بالبطاقة، مما يحول سياسة الدولة إلى حبر على ورق.
وهنا يُطرح سؤال وجودي حول اتساق السياسات العمومية، فمن جهة، الدولة تحارب الاقتصاد الموازي وتدعو للشفافية الضريبية عبر الرقمنة، ومن جهة أخرى، تفرض عبر مركز النقديات (CMI) والبنوك رسوماً واقتطاعات تجعل من الرسمي خياراً مكلفاً، والموازي (النقد) خياراً أوفر.
هذا التناقض الصارخ يطرح شكوكاً حول جدية الورشة الرقمية، هل نحن أمام رغبة حقيقية في التحديث، أم أننا أمام جباية خفية تُفرض على المعاملات اليومية تحت غطاء تكاليف الخدمة؟ عندما تصبح الرقمنة عبئاً مالياً إضافياً على الفئات الهشة، فإنها تتحول من أداة تنمية إلى أداة إقصاء.
وفي هذا السياق، يشير السؤال البرلماني بإصبع الاتهام نحو الطريقة التي تُدار بها منظومة الأداء الإلكتروني، التي يشرف عليها مركز النقديات. الانتقادات لا تتعلق فقط بارتفاع الرسوم، بل بعدم الملاءمة بين كلفة الخدمة وقدرة التجار الصغار على التحمل.
في غياب منافسة حقيقية تكسر احتكار الأسعار، وفي ظل تعقيد مساطر الانخراط، يجد التاجر نفسه أمام شريك إجباري يفرض شروطه دون مراعاة للواقع الاجتماعي والاقتصادي.
والسؤال الذي وجهه نبيل الدخش لوزيرة الاقتصاد والمالية لم يكن استفساراً روتينياً، بل كان صرخة استغاثة باسم قطاع حيوي يشعر بأنه مُضَحّى به في معادلة الرقمنة.
الكرة اليوم الآن في ملعب وزيرة الاقتصاد والمالية، والسؤال البرلماني ينتظر أكثر من مجرد رد إداري يبرر الرسوم، والمواطن والتاجر ينتظرون إجراءً جريئاً: هل ستتم مراجعة التعريفة الجمركية على عمليات TPE للصغار؟ هل ستدعم الدولة تكلفة الأجهزة والعمولات كجزء من سياسة الحماية الاجتماعية؟ أم ستبقى الشعارات الرقمية حبيسة القاعات المغلقة بينما يستمر النزيف في المحلات التجارية؟
وفي الأخير، لا يمكن للدولة أن تطلب من التاجر الصغير أن يكون جندياً في معركة الرقمنة بينما تُترك له الفاتورة وحده، فتعميم الأداء الإلكتروني حق للمواطن وواجب على الدولة تسهيله، لا عائقاً يثقل كاهل من يحاول البقاء في السوق الرسمي.
فإذا استمرت الرسوم المرتفعة، فلن نلوم التاجر الذي يفضل “الكاش” هروباً من الخسارة، بل سنلوم سياسة جعلت من الحداثة رفاهية لا يطيقها الفقراء.
فالرقمنة الحقيقية هي التي تُخفف الأعباء، لا التي تزيدها، والأيام القادمة ستكشف إن كانت وزارة نادية فتاح ستسمع صرخة التجار، أم ستستمر في عزف شعارات بعيدة عن واقع المحل التجاري المغربي.
تعليقات الزوار