هبة زووم – الرشيدية
مرة أخرى، ومع أولى موجات الحرارة المرتفعة، تعود جهة درعة تافيلالت إلى دائرة الخطر، ليس بسبب الجفاف أو الفقر أو الهشاشة فقط، بل بسبب “عدو موسمي” بات يحصد الأرواح كل صيف في مشهد يتكرر بشكل مأساوي: لسعات العقارب ولدغات الأفاعي.
وفي كل سنة، تتجدد البلاغات والاجتماعات والصور الرسمية، بينما تبقى الحقيقة الصادمة ثابتة لا تتغير: مواطنون، أغلبهم أطفال ونساء بالعالم القروي، يفقدون حياتهم بسبب غياب الأمصال والتدخل السريع وضعف التجهيزات الصحية بالمناطق النائية.
آخر حلقات هذا المشهد تمثلت في الاجتماع الذي ترأسه محمد خصال يوم 19 ماي 2026، والذي قُدّم باعتباره خطوة استباقية لمحاربة لسعات العقارب ولدغات الأفاعي، لكن السؤال الذي يطرحه الشارع بحدة: ماذا تغير فعلياً على أرض الواقع؟
فالساكنة التي تتابع كل سنة نفس البلاغات ونفس الاجتماعات، لم تعد تقتنع بخطابات “التنسيق” و”التحسيس” و”المخططات الجهوية”، لأنها ببساطة تعرف أن إنقاذ الأرواح لا يحتاج إلى كثرة الاجتماعات بقدر ما يحتاج إلى توفير الأمصال والأدوية والتجهيزات والأطر الطبية بالمراكز الصحية القروية.
ويرى متابعون أن المديرية الجهوية للصحة أصبحت تدبر هذا الملف بمنطق “أخذ اللقطة” أكثر من منطق التدخل الفعلي، عبر تسويق اجتماعات موسمية وتكرار لغة الخشب نفسها كل سنة، في وقت تستمر فيه معاناة ساكنة القرى والمداشر مع غياب شروط العلاج السريع.
والأخطر من ذلك أن جهة درعة تافيلالت ليست منطقة عابرة في خريطة التسممات المرتبطة بالعقارب والأفاعي، بل تعد من أكثر الجهات المغربية تسجيلاً للحالات الخطيرة والوفيات، ما يجعل أي تقصير في توفير الأمصال أو تجهيز المراكز الصحية بمثابة لعب مباشر بأرواح المواطنين.
وتؤكد شهادات من مناطق قروية متفرقة أن عدداً من الضحايا لا يموتون بسبب خطورة السم فقط، بل بسبب التأخر في نقلهم إلى المستشفيات أو غياب الأدوية الضرورية أو انعدام وسائل الإنعاش بالمراكز الصحية القريبة.
وفي الوقت الذي تتحدث فيه المديرية الجهوية عن خطوط هاتفية وتحسيس وتوزيع ملصقات، يرى مواطنون أن الأولوية الحقيقية يجب أن تكون لتوفير الأمصال بشكل دائم، وضمان حضور أطباء وممرضين مؤهلين بالمناطق الأكثر عرضة للخطر، بدل الاكتفاء بحملات تواصلية لا توقف نزيف الأرواح.
كما يتساءل فاعلون محليون عن جدوى هذه الاجتماعات المتكررة إذا كانت المآسي نفسها تتكرر كل صيف، وكأن الجهة محكومة بدخول موسم “وفيات العقارب” بشكل سنوي دون أي تقييم حقيقي للمسؤوليات أو محاسبة للمقصرين.
إن ما تعيشه درعة تافيلالت اليوم لم يعد مجرد إشكال صحي عابر، بل فضيحة حقيقية تكشف هشاشة المنظومة الصحية بالعالم القروي، وتعري محدودية التدخلات الرسمية التي غالباً ما تتحرك بمنطق رد الفعل بعد وقوع الكارثة، لا بمنطق الوقاية والاستعداد الاستباقي الحقيقي.
وبين صور الاجتماعات الرسمية وصرخات الأسر المفجوعة، يبقى السؤال المؤلم معلقاً: إلى متى ستظل لسعة عقرب سبباً كافياً لفقدان الحياة في جهة تعيش داخل المغرب وليس خارجه؟
تعليقات الزوار