هبة زووم – الرباط
أثار القرار الأخير القاضي بمنع استعمال مادة القطران في صناعة وتزيين الأواني الفخارية المخصصة للاستعمال الغذائي موجة من التساؤلات الحادة حول واقع المراقبة الصحية لمنتجات الصناعة التقليدية بالمغرب، بعدما كشفت تحاليل مخبرية رسمية عن وجود مواد سامة وخطيرة على صحة المواطنين في منتجات ظلت تُعرض وتُسوّق لسنوات طويلة دون أي تحذير أو تدخل حازم من الجهات المعنية.
فالخطير في الموضوع ليس فقط اكتشاف احتواء هذه الأواني على نسب مرتفعة من عناصر كيميائية سامة كالألومنيوم والكوبالت والزرنيخ، بل في كون هذه المنتجات كانت متداولة بشكل عادي في الأسواق والمحلات التجارية والمعارض والمطاعم وحتى داخل البيوت المغربية، حيث استُعملت يومياً في إعداد الطعام وتقديمه، دون أن يتم إخبار المستهلكين بالمخاطر المحتملة التي قد تهدد صحتهم.
ويطرح هذا المستجد أسئلة محرجة حول دور أجهزة المراقبة طيلة السنوات الماضية، وكيف سمح بتسويق منتجات موجهة للاستعمال الغذائي دون إخضاعها لاختبارات صارمة تضمن سلامة المواطنين، فهل كانت الجهات الوصية تجهل خطورة هذه المادة؟ أم أن التحذيرات كانت موجودة ولم تجد طريقها إلى التنفيذ؟ وإذا كانت التحاليل الأخيرة قد أثبتت وجود هذه المواد السامة، فمن يتحمل مسؤولية المرحلة السابقة التي استمرت خلالها هذه المنتجات في الوصول إلى المستهلك المغربي؟
ويعتبر متتبعون أن القرار، رغم أهميته، جاء متأخراً بعد سنوات من التساهل مع ممارسات كان يفترض إخضاعها للمراقبة الدورية والافتحاص التقني المستمر، خاصة أن الأمر يتعلق بمنتجات لها ارتباط مباشر بصحة المواطنين. فالدولة لا يمكن أن تكتفي اليوم بإصدار مذكرة منع، دون فتح نقاش جدي حول المسؤوليات المرتبطة بغياب الرقابة الاستباقية.
كما أن الاقتصار على الحملات التحسيسية لفائدة الحرفيين لا يبدو كافياً لمعالجة حجم الإشكال، إذ إن المطلوب هو إرساء منظومة مراقبة صارمة تشمل مختلف مراحل الإنتاج والتسويق، مع تحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات في حق كل من يثبت تورطه في تسويق منتجات قد تشكل خطراً على الصحة العامة.
وتكشف هذه القضية، مرة أخرى، أن بعض القطاعات المرتبطة بالصناعة التقليدية ما زالت تعاني من ضعف آليات المراقبة وتتبع الجودة، رغم ما يروج حول تثمين المنتوج التقليدي المغربي ورفع تنافسيته داخل الأسواق الدولية، فالجودة لا تتعلق بالشكل الجمالي للمنتج فقط، بل تبدأ أولاً من ضمان سلامة المستهلك وحمايته من أي مخاطر صحية محتملة.
وفي انتظار الكشف عن الحجم الحقيقي للمنتجات التي تم تسويقها باستعمال القطران خلال السنوات الماضية، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: كم من المغاربة استعملوا هذه الأواني؟ وكم من الوقت استغرقت الجهات المختصة لاكتشاف خطر كان يفترض رصده منذ سنوات؟ والأهم من ذلك، هل ستتوقف المسألة عند حدود المنع والتحسيس، أم أن المرحلة المقبلة ستشهد فتح تحقيقات حقيقية لتحديد المسؤوليات وربطها بالمحاسبة؟
إن حماية صحة المواطنين لا تحتمل منطق رد الفعل المتأخر، بل تقتضي يقظة دائمة ورقابة استباقية صارمة، لأن أي تقصير في هذا المجال قد يتحول من مجرد خطأ إداري إلى تهديد مباشر للصحة العامة.
تعليقات الزوار