دار الصانع تنفق أكثر من 100 مليون سنتيم على “السوشيال ميديا”.. هل أصبح التسويق أولوية بدل دعم الصناع؟

هبة زووم – الرباط
في الوقت الذي يواصل فيه آلاف الصناع التقليديين مواجهة تحديات التسويق، وارتفاع كلفة الإنتاج، وصعوبة الولوج إلى الأسواق، اختارت مؤسسة “دار الصانع” توجيه أكثر من 100 مليون سنتيم إلى حملة للتنشيط والإشهار عبر منصات التواصل الاجتماعي، في خطوة أعادت إلى الواجهة النقاش حول أولويات المؤسسة ومدى انسجام نفقاتها مع رسالتها الأساسية المتمثلة في دعم الحرفي المغربي والارتقاء بقطاع الصناعة التقليدية.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن الصفقة، التي تنافست عليها 13 شركة، آلت إلى وكالة خاصة بمدينة الدار البيضاء، بعدما تقدمت بأفضل عرض من الناحية الاقتصادية، بقيمة تناهز 1.092 مليون درهم، لتتولى تنفيذ خدمات التسويق الرقمي والإعلانات الممولة على منصات التواصل الاجتماعي.
غير أن هذه الصفقة ليست الأولى من نوعها، إذ تأتي امتداداً لسلسلة من عقود التواصل والترويج التي أبرمتها المؤسسة خلال السنوات الأخيرة، من بينها صفقة تجاوزت 2.4 مليون درهم خُصصت لإنتاج أشرطة ومواد ترويجية لفائدة الصناعة التقليدية، وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول حصيلة هذه النفقات، ومدى انعكاسها الفعلي على أوضاع الصناع التقليديين أو على حجم تسويق المنتوج المغربي داخل الأسواق الوطنية والدولية.
ويثير متابعون للشأن الاقتصادي علامات استفهام حول استمرار اللجوء إلى صفقات تواصلية بمبالغ مالية مهمة، في غياب تقارير تقييم معلنة تقيس أثر الحملات السابقة، سواء من حيث ارتفاع المبيعات، أو فتح أسواق جديدة، أو تحسين دخل الحرفيين، معتبرين أن أي إنفاق عمومي يجب أن يكون مقروناً بمؤشرات دقيقة لقياس النجاعة وربط المسؤولية بالنتائج.
ويرى مهنيون أن التحدي الحقيقي الذي يواجه الصناعة التقليدية لا يكمن فقط في ضعف الترويج، بل في الإشكالات البنيوية التي يعاني منها القطاع، من صعوبة التمويل، وارتفاع أسعار المواد الأولية، وضعف الحماية الاجتماعية، ومحدودية ولوج التعاونيات والحرفيين إلى التجارة الإلكترونية، وهي ملفات يعتبرونها أولى بالاعتمادات المالية من الحملات الإعلانية المكلفة.
وتتزامن هذه الصفقة مع دخول المغرب مرحلة جديدة في تنظيم الاقتصاد الرقمي، بعد شروعه في فرض الضريبة على الخدمات الرقمية المقدمة من الشركات العالمية، من قبيل “ميتا” و”تيك توك” و”يوتيوب” و”نيتفليكس”، عبر المنصة الإلكترونية التي أطلقتها المديرية العامة للضرائب، في خطوة تروم إخضاع الخدمات الرقمية للقواعد الجبائية الوطنية.
ورغم أهمية الاستثمار في التسويق الرقمي لمواكبة التحولات التي يعرفها السوق العالمي، فإن نجاح هذه المقاربة يبقى رهيناً بقدرتها على تحقيق قيمة مضافة حقيقية لفائدة الحرفيين، لا أن تتحول إلى مجرد صفقات متكررة تستفيد منها وكالات التواصل أكثر مما يستفيد منها القطاع نفسه.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: كم مليوناً صُرفت خلال السنوات الأخيرة على حملات الترويج والتواصل؟ وما هو الأثر الحقيقي الذي عاد على الصانع التقليدي المغربي؟ فالإجابة عن هذا السؤال لا تكون بالشعارات، وإنما بنشر مؤشرات دقيقة حول المردودية، وعدد المستفيدين، وحجم الصادرات، ونسبة تطور مبيعات المنتوجات التقليدية، حتى يطمئن الرأي العام إلى أن المال العام يُصرف وفق منطق النجاعة والنتائج، لا بمنطق تكرار الصفقات دون تقييم أو محاسبة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد