كلميم: هل تعود “الخلطة الانتخابية القديمة”؟ أسئلة محرجة للوالي أبهاي حول تحركات الوجوه والوسطاء وحياد السلطة
هبة زووم – علال الصحراوي
مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يبدو أن كلميم بدأت تدخل مبكراً في أجواء موسم انتخابي يعرفه المواطن جيداً: وجوه تعود إلى الواجهة، تحركات ميدانية مكثفة، لقاءات وولائم، وشبكات من الأنصار والوسطاء تتحرك في الأحياء والدواوير بحثاً عن أصوات الناخبين.
غير أن ما يثير القلق ليس مجرد تحرك المرشحين، فذلك جزء طبيعي من المنافسة الديمقراطية، وإنما عودة الأساليب التي تجعل من الانتخابات موسماً للوسطاء والمصالح والوعود، بدل أن تكون مناسبة لمحاسبة المنتخبين على حصيلتهم وبرامجهم.
والأكثر إثارة للأسئلة هو ما يُتداول محلياً بشأن تحركات بعض الأسماء التي تراهن على إعادة إنتاج حضورها السياسي، وسط حديث عن مرشحة تحظى باهتمام خاص وتحركات واسعة لاستمالة الناخبين.
وهنا بالضبط ينبغي أن تتوقف السلطة الترابية أمام المرآة وتسأل نفسها: هل نحن أمام منافسة انتخابية طبيعية، أم أمام إعادة تشغيل لشبكات انتخابية قديمة؟
لقد أصبح المواطن في كثير من المناطق يعرف السيناريو جيداً، قبل الانتخابات بأسابيع، تظهر الوجوه التي كانت غائبة عن المشهد طوال سنوات. فجأة يصبح الدوار مهماً، والحي مهماً، والمواطن مهماً، وتبدأ الزيارات واللقاءات والوعود.
ويظهر إلى جانب المرشح عدد من الوسطاء الذين يقدمون أنفسهم باعتبارهم أصحاب نفوذ انتخابي وقدرة على “تدبير” الأصوات.
لكن السؤال الذي ينبغي طرحه بصوت مرتفع هو: أين كان هؤلاء عندما كان المواطن ينتظر مدرسة؟ وطريقاً؟ ومستوصفاً؟ وفرصة شغل؟ وخدمة عمومية محترمة؟ ولماذا لا تظهر هذه الشبكات إلا عندما تقترب صناديق الاقتراع؟
وإذا كانت المنافسة السياسية حقاً مشروعاً، فإن الإدارة الترابية ليست طرفاً فيها، ولهذا فإن الوالي أبهاي يوجد اليوم أمام مسؤولية واضحة: حماية حياد الإدارة وضمان تكافؤ الفرص بين جميع المتنافسين، وعدم السماح بتحويل النفوذ الإداري أو مجرد الإيحاء به إلى ورقة انتخابية.
فالولاية ليست فضاءً لإعادة تقديم المرشحين، ولا منصة لتزكية هذا الاسم أو ذاك، ولا سوقاً لتبادل الرسائل السياسية، وأي حديث عن “دعم السلطة” لأي مرشح، إن كان متداولاً فعلاً، ينبغي التعامل معه بمنتهى الجدية، لأن مجرد توظيف اسم الإدارة الترابية في المنافسة الانتخابية يمكن أن يضر بصورة المؤسسات وبالثقة في العملية برمتها.
المشكلة اليوم ليست في أن يدعم مواطن مرشحاً، ولا في أن تتحرك الأحزاب والأنصار للدعاية لمرشحيها، ذلك هو جوهر المنافسة الديمقراطية، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الدعم إلى ضغط، أو استغلال للحاجة، أو شراء للولاءات، أو تقديم وعود ومنافع مقابل الأصوات، أو استعمال علاقات ونفوذ للتأثير على الناخبين.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً: ما الذي قدمه هذا المرشح حتى يستحق صوت المواطن؟ ليس عدد السيارات التي ترافقه هو الجواب طبعا، ولا عدد الأشخاص الذين يحيطون به، ولا عدد الولائم، ولا عدد الصور المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي، الحصيلة هي الجواب.
لقد آن الأوان لكي تتعامل النخب السياسية مع المواطن باعتباره صاحب قرار، وليس مجرد رقم انتخابي يتم استحضاره كل خمس سنوات، فالمرشح الذي يملك برنامجاً حقيقياً لا يحتاج إلى وسطاء لفرضه، والذي يملك حصيلة مشرفة لا يحتاج إلى تلميعها بالولائم، والذي يحظى بثقة المواطنين لا يحتاج إلى الادعاء بأنه مدعوم من هذه الجهة أو تلك.
أما السلطة، فمسؤوليتها أن تضمن أن صوت المواطن لا يخضع للضغط، وأن الإدارة لا تتحول إلى ورقة في يد أي مرشح، وأن القانون يطبق على الجميع دون انتقائية.
وفي النهاية، فإن المعركة الحقيقية في كلميم ليست معركة من يملك أكبر عدد من الوسطاء، ولا من يستطيع تنظيم أكبر عدد من الولائم، إنها معركة من يملك برنامجاً، ومن يملك حصيلة، ومن يملك الشجاعة ليقف أمام المواطنين ويقدم حسابه عن السنوات الماضية، وإذا كان البعض يستعد لإعادة تشغيل “اللعبة القديمة”، فإن السؤال الذي ينبغي أن يؤرق الجميع هو:
فهل ستسمح السلطة الترابية بإعادة إنتاج المشهد نفسه، أم أن الوالي أبهاي سيضع حداً لكل ما يمكن أن يمس حياد الإدارة ونزاهة الاستحقاق؟ فالانتخابات ليست “سوق عكاظ”، والمواطن ليس سلعة، وصوته ليس ملكاً للوسطاء، ومن أراد صندوق الاقتراع، فليذهب إليه بالحصيلة والبرنامج والاقتناع، لا بالمال والنفوذ والوعود الموسمية.