هبة زووم – محمد أمين
في السعيدية، يبدو أن المدينة دخلت أخيراً مرحلة اكتشاف ما كان يعرفه سكانها منذ سنوات: النظافة تحتاج إلى تدبير حقيقي، والطرقات تحتاج إلى إصلاح، والفضاءات العمومية تحتاج إلى عناية، والجالية ليست مجرد جمهور موسمي يُستقبل بالتصفيق والصور.
فقد احتضنت جماعة السعيدية، الثلاثاء 18 غشت 2026، لقاءً تواصلياً جمع رئيس المجلس الجماعي عبد القادر بن مومن بعدد من أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج، إلى جانب مواطنين وفعاليات من المجتمع المدني، في لقاء قُدم باعتباره محطة للانفتاح والتواصل ومناقشة أوراش تأهيل المدينة.
والحقيقة أن التواصل جميل، لكن المواطن لا يعيش على التواصل، ما يهمه هو ماذا سيجد غداً في الشارع؟ هل ستختفي الأزبال؟ هل ستُصلح الحفر؟ هل ستتحسن الخدمات؟ وهل ستتحول الوعود إلى مشاريع فعلية، أم ستبقى مجرد مادة صالحة للقاءات والصور والبلاغات؟
هذا، وقد كان مرفق النظافة في صلب النقاش، مع تقديم مضامين العقد الجديد وما يرتبط به من استثمارات ووسائل بشرية ولوجستية والتزامات وآليات للمراقبة، لكن هنا بالضبط يجب أن يتوقف الخطاب الاحتفالي قليلاً، فالنظافة ليست مشروعاً يُقاس بحجم الآليات التي ستُقتنى، وإنما بالشارع الذي سيصبح نظيفاً فعلاً.
فالساكنة لا تريد معرفة عدد الشاحنات في دفتر التحملات بقدر ما تريد أن تعرف من سيحاسب الشركة إذا لم تجمع النفايات في الوقت المحدد؟ ومن سيراقب جودة الخدمة؟ وماذا سيحدث عندما تتكرر الأعطاب أو تتراكم الأزبال؟
لذلك، فإن العقد الجديد لا يحتاج إلى مزيد من التبرير، بقدر ما يحتاج إلى مراقبة صارمة وشفافة ونشر نتائج التقييم أمام المواطنين.
أما الإعلان عن صفقة جديدة لإصلاح وتأهيل الطرقات، ابتداءً من شتنبر المقبل، بغلاف مالي يقارب ملياراً و300 مليون سنتيم، فهو بلا شك خبر يستحق الترحيب، لكن الترحيب لا يعني توقيع شيك على بياض.
فإذا كانت وضعية عدد من طرقات السعيدية قد ظلت، حسب إفادات المشاركين، مثار شكايات لأكثر من عشرين سنة، فإن السؤال البديهي هو: أين كانت المجالس السابقة؟ وأين كانت الاعتمادات؟ ولماذا احتاجت بعض الطرقات كل هذه السنوات حتى تصل إلى ورش الإصلاح؟
والأهم من ذلك:هل ستكون هذه المرة أشغالاً حقيقية أم مجرد ترقيع جديد سرعان ما ستبتلعه الأمطار وتعيد الحفر إلى مكانها؟ المواطن يريد طرقاً تصمد، لا طرقاً تُصلح في موسم وتعود إلى حالتها الأولى في الموسم التالي، وهنا يجب أن تكون المراقبة التقنية حاضرة بقوة، وأن تكون جودة الأشغال واحترام الآجال والالتزام بدفتر التحملات معيار الحكم الوحيد.
اللقاء فتح أيضاً الباب أمام مشاركة أبناء الجالية في تأهيل المساحات الخضراء والفضاءات العمومية، والاستفادة من تجارب المدن الأوروبية، فضلاً عن مقترحات لإقامة توأم وشراكات مع مدن في فرنسا وبلجيكا وهولندا وإسبانيا.
وهي أفكار جيدة من حيث المبدأ، لكن المطلوب هو عدم تحويل الجالية إلى ضيف موسمي يُستدعى في غشت ثم يُنسى باقي السنة.
الجالية يمكن أن تكون شريكاً في التنمية والخبرة والاستثمار والتكوين ونقل التجارب، لكن ذلك يتطلب آليات مؤسساتية واضحة، لا مجرد لقاءات تواصلية.
وفي هذا السياق، يمكن القول على أن كون رئيس المجلس من أبناء الجالية وعاش سنوات بأوروبا قد يكون نقطة قوة إذا تم استثمار التجربة فعلاً في تدبير المدينة، لكن السعيدية لا تحتاج إلى سيرة ذاتية أوروبية بقدر ما تحتاج إلى نتائج مغربية واضحة على الأرض، فالساكن لا يسأل المنتخب أين عاش، بل ماذا أنجز.
ولا يقيس المجلس بعدد اللقاءات التي عقدها، بل بما تغير في المدينة بعد تلك اللقاءات، ولا يحتاج إلى خطابات عن «الانتماء والمسؤولية» بقدر ما يحتاج إلى أن يرى تلك المسؤولية في النظافة، والطرقات، والحدائق، والإنارة، والفضاءات العمومية والخدمات اليومية.
السعيدية مدينة سياحية بامتياز، وتستقبل خلال الصيف أعداداً كبيرة من الزوار، ولذلك فإن استمرار التعامل مع مشاكل النظافة والطرقات بمنطق الموسم لا يمكن أن يكون بديلاً عن سياسة حضرية مستدامة، فالمطلوب ليس فقط أن تبدو السعيدية جميلة في الصور خلال شهر غشت، بل أن تكون كذلك طوال السنة.
وإذا كان المجلس قد أطلق فعلاً أوراشاً جديدة، فإن أفضل ما يمكن فعله اليوم هو ترك المشاريع تتحدث عن نفسها، لا نريد مزيداً من الوعود، نريد نتائج، لا نريد مزيداً من اللقاءات، نريد تتبعاً، كما لا نريد مزيداً من البلاغات، نريد محاسبة.
وفي النهاية، ستمنح السعيدية المجلس فرصته كاملة، لكن المواطن سيحتفظ بحقه في السؤال: ماذا تغير فعلاً؟ لأن المدينة لا تُدار بالكلمات، ولا تُنظف بالبلاغات، ولا تُعبد الطرقات بالصور.
الاختبار الحقيقي سيبدأ يوم تخرج أول شاحنة للنظافة، ويوم تبدأ أول آلية في حفر الطريق، وينتهي يومها عندما يضع المواطن قدمه في شارع نظيف وطريق صالح للسير.
تعليقات الزوار