لقجع وصندوق التنمية الترابية.. تفويضات مالية واسعة تفتح باب الأسئلة حول “حكومة المونديال”
هبة زووم – الرباط
بات فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، في قلب دائرة نقاش سياسي متزايد، بعد صدور قرارات تتعلق بتفويض جزء من اختصاصات الأمر بالصرف المرتبطة بصندوق التنمية الترابية المندمجة إلى عدد من عمال المملكة، إلى جانب مسؤولين ترابيين وقطاعيين.
وتكتسي هذه الخطوة أهمية خاصة بالنظر إلى الحجم المالي المرتبط بهذا الحساب الخصوصي، وإلى السياق السياسي الذي تأتي فيه، خصوصاً مع الحديث المتداول عن التحاق لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة، وربط اسمه بإمكانية تولي رئاسة الحكومة المقبلة ضمن ما بات يوصف إعلامياً بـ”حكومة المونديال”.
وبحسب المعطيات المتداولة، فقد مُنح لقجع تفويضاً حكومياً باعتباره آمراً بالصرف لاعتمادات الصندوق إلى نهاية السنة الجارية، قبل أن يصدر قرارات تفوض للعمال، بصفتهم آمرين بالصرف مساعدين، مجموعة من الاختصاصات المرتبطة بتدبير الاعتمادات المفوضة.
وتشمل هذه الاختصاصات، من بين أمور أخرى، إصدار بيانات الدفع والأوامر بالتحصيل المتعلقة بالصفقات المبرمة في إطار الاعتمادات المفوضة، فضلاً عن تدبير الغرامات الناتجة عن التأخير في تنفيذ الصفقات، وحجز الضمانات المؤقتة والنهائية والاقتطاعات الضامنة، إلى جانب معالجة المدفوعات الزائدة والنفقات المنفذة في إطار الاعتمادات المعنية.
كما امتدت التفويضات، وفق المعطيات نفسها، إلى المديرين الإقليميين لوزارة التجهيز والنقل، بما يعكس توسيع دائرة المتدخلين في تنفيذ العمليات المرتبطة بهذا الحساب.
210 مليارات درهم.. رقم يفرض أعلى درجات الشفافية
تكمن أهمية الملف في الحجم المالي الكبير المرتبط بصندوق التنمية الترابية المندمجة، الذي يرتبط بمخطط تنموي يمتد على ثماني سنوات، بغلاف مالي إجمالي تقديري يصل إلى حوالي 210 مليارات درهم.
أما بالنسبة إلى سنة 2026، فقد خصص قانون المالية للحساب 5 مليارات درهم كاعتمادات أداء، إضافة إلى 15 مليار درهم كاعتمادات التزام مسبقة موجهة للعمليات والبرامج المقبلة.
وهنا تحديداً يجب الفصل بين الاختصاص القانوني وبين القراءة السياسية، فالتفويض في حد ذاته لا يعني، تلقائياً، وجود امتياز سياسي أو تدبير خارج القواعد، ما دام مؤطراً بالنصوص القانونية والتنظيمية التي تحدد صلاحيات الآمر بالصرف والآمرين بالصرف المساعدين.
لكن عندما يتعلق الأمر بصندوق بهذا الحجم، وفي ظرفية سياسية وانتخابية حساسة، فإن توسيع دائرة التفويضات يصبح موضوعاً مشروعاً للنقاش العمومي، خصوصاً حول معايير توزيع الاعتمادات، وآليات المراقبة، وحدود المسؤولية، وضمانات الشفافية والحياد في تنفيذ المشاريع.
السياسة شيء.. والمال العام شيء آخر
الأكثر حساسية هو تزامن هذه التطورات مع صعود الحديث عن مستقبل لقجع السياسي، وربط اسمه بحزب الأصالة والمعاصرة وبسيناريوهات تشكيل الحكومة المقبلة.
وهنا يجب الحذر من تحويل التزامن إلى دليل، فوجود تفويضات مالية أو إدارية لا يثبت في حد ذاته استعمال المال العام لخدمة مشروع حزبي، كما أن الحديث عن «حكومة المونديال» يظل، في غياب معطيات رسمية، قراءة سياسية واستشرافاً للمشهد المقبل، وليس قراراً مؤسساتياً قائماً.
لكن في المقابل، فإن حساسية المرحلة تفرض العكس تماماً: كلما ارتفعت قيمة الأموال العمومية واتسعت دائرة المتدخلين في تدبيرها، وجب أن ترتفع معها درجة الشفافية والمراقبة والتدقيق.
فـ210 مليارات درهم ليست رقماً عادياً يمكن أن يمر في صمت، لأنها تعني مشاريع وطرقا وتجهيزات ومرافق وتنمية يفترض أن تصل آثارها إلى المواطنين والمناطق التي تعاني من الفوارق المجالية.
والسؤال الحقيقي ليس: هل أصبح فوزي لقجع “أقوى وزير”؟ السؤال الذي يستحق أن يطرح هو: كيف ستُدبّر هذه الاعتمادات؟ ومن سيحدد الأولويات؟ وكيف ستتم مراقبة تنفيذها؟ وما هي الآليات التي ستضمن ألا تتحول المشاريع الترابية الكبرى إلى أوراق نفوذ سياسي في موسم انتخابي؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تكون في صلب النقاش، بعيداً عن الشخصنة والتخمينات، لأن التنمية الترابية المندمجة يفترض أن تكون سياسة دولة، لا ورقة انتخابية، وصندوقاً لخدمة المجال، لا رصيداً سياسياً لأي حزب أو مسؤول.