مع اقتراب الانتخابات.. حرب الأغلبية تنفجر والأحرار يرفض تحميله وحده فاتورة حكومة أخنوش

هبة زووم – الرباط
لم يعد ممكناً إخفاء ما يجري داخل مكونات الأغلبية الحكومية خلف لغة “الانسجام” و”التنسيق” و”المسؤولية المشتركة”، فمع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، بدأت الشراكة الثلاثية التي جمعت التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال تفقد الكثير من هدوئها، لتتحول المنابر الحزبية إلى ساحات لتبادل الرسائل السياسية الحادة، في مؤشر واضح على أن كل حزب بدأ يبحث عن موقعه الخاص في مرحلة ما بعد حكومة عزيز أخنوش.
قيادات التجمع الوطني للأحرار لم تتردد هذه المرة في رفع سقف الخطاب، والرد على ما تعتبره محاولات من شركائها الحكوميين للابتعاد عن حصيلة حكومة كانوا جزءاً أساسياً منها، بل وتولوا داخلها قطاعات وازنة ومسؤوليات مباشرة.
فمحيي الدين حجاج، عضو المكتب السياسي للحزب، اختار الوضوح حين انتقد ما وصفه بـ”المزايدات” ومحاولات بعض الفاعلين السياسيين تقديم أنفسهم، مع اقتراب الاستحقاقات، وكأنهم كانوا مجرد متفرجين على تدبير الشأن الحكومي، لا شركاء في اتخاذ القرار وتنفيذ السياسات العمومية.
وفي معرض حديثه عن قطاع التعمير، وضع حجاج المسؤولية في سياقها السياسي، مذكراً بأن الانتقاد لا يمكن أن يتحول إلى وسيلة للهروب من الحصيلة، فالذي كان يتولى مسؤولية قطاع معين، يفترض أن يقدم للمواطنين ما أنجزه وما أخفق فيه، بدل البحث عن شماعة سياسية لتعليق كل الاختلالات عليها.
وبلغة أكثر حدة، وجه القيادي التجمعي انتقادات إلى هشام المهاجري، معتبراً أن البرلماني الذي ينتظر اقتراب الانتخابات ليكتشف فجأة مشاكل المواطنين، سيكون بدوره مطالباً بتقديم حصيلته حول ما قام به خلال سنوات تمثيله للساكنة داخل المؤسسة التشريعية.
أما محمد أوجار، فقد ذهب أبعد من ذلك، حين طرح السؤال الذي يبدو أنه أصبح يؤرق قيادة التجمع الوطني للأحرار: أين كان حزبا الأصالة والمعاصرة والاستقلال عندما كانت الحكومة تتخذ قراراتها وتتحمل تبعات اختياراتها؟
“هاد الحكومة مفيهاش غير التجمع الوطني للأحرار”، عبارة أوجار تختصر حالة التوتر المتصاعد داخل الأغلبية، وتكشف رفض «الحمامة» أن تتحول، مع اقتراب الانتخابات، إلى الطرف الوحيد الذي يحمل فاتورة خمس سنوات من التدبير الحكومي، بينما يحاول شركاء الأمس تقديم أنفسهم في صورة الناقد أو المتضرر من سياسات كانوا شركاء مباشرين في صناعتها.
وهنا تبرز واحدة من أكبر مفارقات المرحلة السياسية الحالية: أحزاب الأغلبية كانت تتحدث، طوال الولاية الحكومية، عن الانسجام والتضامن الحكومي ووحدة القرار، لكن اقتراب صناديق الاقتراع بدأ يكشف حدود هذا الانسجام، وأعاد إلى الواجهة خطاباً مختلفاً يقوم على توزيع المسؤوليات والتنصل من بعض الاختيارات والبحث عن مسافة انتخابية من حكومة لم يعد من المريح، على ما يبدو، الدفاع عن حصيلتها بشكل جماعي.
ولا يتعلق الأمر، في النهاية، بمن يملك القدرة الأكبر على توجيه الانتقادات أو رفع سقف الخطاب، بقدر ما يتعلق بسؤال سياسي وأخلاقي بسيط: هل يمكن لحزب أن يشارك في الحكومة لسنوات، ويتولى وزراء ومسؤولون تابعون له تدبير قطاعات استراتيجية، ثم يقدم نفسه، عند اقتراب الانتخابات، كأنه كان خارج دائرة القرار؟ هذا هو جوهر الرسالة التي حاول أوجار وحجاج إيصالها إلى شركاء التجمع الوطني للأحرار.
لكن هذه الحرب الكلامية تطرح، في المقابل، سؤالاً أكبر حول حصيلة الأغلبية بأكملها. فإذا كان كل طرف يطالب الآخر بتحمل مسؤوليته، فإن المواطن بدوره من حقه أن يسأل الجميع عن الوعود التي قُدمت، وعن الاختلالات التي استمرت، وعن الملفات التي بقيت عالقة في الصحة والتعليم والتشغيل والقدرة الشرائية والتفاوتات المجالية.
فالانتخابات المقبلة يجب ألا تتحول إلى مناسبة لتبادل التهم داخل الأغلبية السابقة، ولا إلى مسرحية يحاول فيها كل طرف غسل يديه من قرارات الأمس. المواطن لا يحتاج إلى شركاء في الحكومة يتقاذفون المسؤولية، بل يحتاج إلى حصيلة واضحة: من قرر؟ ومن نفذ؟ وما الذي تحقق؟ وما الذي أخفق؟ ولماذا؟
لقد بدأت الحرب الانتخابية داخل الأغلبية قبل انطلاق الحملة رسمياً، وخرجت التناقضات إلى العلن بعد سنوات من الخطاب الموحد. وبين الأحرار الذي يرفض أن يحمل وحده كلفة التجربة الحكومية، والاستقلال والبام اللذين يسعيان بدورهما إلى إعادة رسم موقعهما الانتخابي، يبدو أن “شهر العسل الحكومي” انتهى، وأن مرحلة محكمة الحصيلة قد بدأت.
ويبقى السؤال الذي سيحسمه الناخب المغربي: هل ستتحلى مكونات الأغلبية السابقة بالشجاعة لتقديم حساب جماعي عن خمس سنوات من الحكم، أم أن كل حزب سيحاول، قبل الانتخابات، إقناع المواطنين بأن المسؤولية كانت دائماً تقع على عاتق الآخرين؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد