هبة زووم – الرباط
في ظرف زمني لا يتجاوز 72 ساعة، انتقلت كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري من قرار إداري إلى آخر، حاملة معها تعديلات جوهرية همّت مناطق منع الصيد ومواعيد النشاط البحري، وهو ما فتح الباب أمام موجة من التساؤلات حول خلفيات هذا التغيير وتوقيته، خصوصاً أنه يأتي على بعد أسابيع قليلة من الانتخابات المقررة يوم 23 شتنبر 2026.
القصة بدأت بالمقرر الوزاري رقم PLP-09/26 الصادر بتاريخ 24 غشت 2026، والذي تضمن مقتضيات تقضي بمنع الصيد بالجر القاعي من طرف سفن الصيد بالجر في أعالي البحار والصيد الساحلي بالمنطقة البحرية الممتدة بين خطي العرض 26 درجة و24 دقيقة شمالاً بسيدي الغازي و22 درجة و42 دقيقة شمالاً، وذلك على مسافة 20 ميلاً بحرياً ابتداءً من خطوط الأساس، خلال الفترة الممتدة من 26 إلى 31 غشت.
كما نص المقرر ذاته على منع صيد الأخطبوط بالمنطقة البحرية الواقعة بين سيدي الغازي والرأس الأبيض، ابتداءً من فاتح شتنبر 2026، مع إلزام مختلف مراكب الجر بمغادرة المنطقة ابتداءً من التاريخ نفسه.
غير أن المشهد تغير بعد ثلاثة أيام فقط، ففي 27 غشت، صدر المقرر الوزاري رقم PLP-10/26، الذي ألغى المقرر السابق وحل محله، مع إدخال تعديلات على عدد من مقتضياته، أبرزها تقليص مسافة المنع من 20 ميلاً بحرياً إلى 18 ميلاً، فضلاً عن تمديد المهلة الممنوحة لسفن الجر والنشاط البحري إلى غاية 10 شتنبر 2026، بدل تاريخ فاتح شتنبر الذي كان محدداً في القرار الأول.
وهنا تبرز مجموعة من الأسئلة التي يصعب تجاوزها، ما الذي تغير خلال ثلاثة أيام فقط؟ هل ظهرت معطيات علمية أو تقنية أو مهنية جديدة دفعت الإدارة إلى مراجعة قرار حديث الصدور؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما طبيعة هذه المعطيات؟ ولماذا لم يتم تقديم توضيحات أكثر تفصيلاً للمهنيين والرأي العام بشأن الأسباب التي فرضت تعديل القرار بهذه السرعة؟
وفي المقابل، إذا كان المقرر الأول قد بني على معطيات علمية ومهنية دقيقة، فما الذي دفع الإدارة إلى التراجع عنه وإصدار مقرر جديد بمقتضيات مختلفة خلال فترة زمنية قصيرة جداً؟
أسئلة تزداد حساسية بالنظر إلى توقيت القرار الجديد، بعدما أصبح النشاط البحري ممتداً إلى غاية 10 شتنبر، أي قبل أقل من أسبوعين من موعد الانتخابات المقررة في 23 شتنبر.
ولا يعني هذا التزامن، في حد ذاته، إثبات وجود خلفية انتخابية وراء القرار، غير أن قرب الموعدين يجعل من المشروع طرح الأسئلة حول مدى وضوح المعايير التي تحكم القرارات الإدارية في قطاع شديد الحساسية، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بمصالح آلاف البحارة والمهنيين والأسر.
فأي تعديل في فترات النشاط أو مناطق الصيد أو إجراءات الراحة البيولوجية لا يمثل مجرد تغيير تقني في وثيقة إدارية، بل يمكن أن تكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة على المهنيين والفاعلين في القطاع.
ومن هنا، فإن جوهر النقاش لا يتعلق فقط بالفارق بين 20 و18 ميلاً بحرياً، ولا بالانتقال من فاتح شتنبر إلى 10 شتنبر، وإنما يرتبط أساساً بالسؤال الأوسع حول شفافية القرار الإداري وأسباب تغييره وتوقيت إصداره.
ويجد حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي يقود الحكومة، نفسه بدوره أمام ضرورة توضيح هذه المعطيات، ليس لأن تغيير قرار إداري يمثل في حد ذاته مخالفة، وإنما لأن كل قرار يصدر في مرحلة انتخابية حساسة يصبح، بحكم السياق، أكثر عرضة للتأويل السياسي.
كما أن تداول حديث داخل بعض الأوساط المهنية عن وجود اختلالات أو امتيازات محتملة مرتبطة بالرخص والحصص والتسهيلات الإدارية يزيد من أهمية تقديم المعطيات الرسمية للرأي العام. وهذه النقاشات والادعاءات لا يمكن التعامل معها باعتبارها حقائق ثابتة من دون وثائق أو نتائج تحقيقات رسمية، لكنها في المقابل تفرض على الجهات المعنية مستوى أعلى من الشفافية والتواصل.
فالقطاع البحري لا يحتمل أن تظل القرارات المتعلقة به محصورة في لغة المقررات والمراسلات الإدارية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتعديلات متقاربة زمنياً يمكن أن تكون لها آثار مباشرة على مصالح المهنيين.
وإذا كانت لدى الإدارة معطيات علمية أو تقنية جديدة تفسر الانتقال من المقرر PLP-09/26 إلى PLP-10/26، فإن نشرها وتقديمها للرأي العام سيكونان كفيلين بتوضيح الصورة ووضع حد للتأويلات التي بدأت تحيط بالقرار، أما استمرار الصمت، في المقابل، فقد يترك المجال مفتوحاً أمام قراءات سياسية وانتخابية متعددة، خصوصاً في ظل اقتراب موعد الاقتراع.
وفي نهاية المطاف، فإن القضية لا تختزل في سؤال: لماذا تغير القرار؟ وإنما تمتد إلى سؤال أكثر أهمية: ما هي المعايير التي حكمت تغييره، وهل جرى اتخاذه على أساس علمي ومهني واضح يمكن للرأي العام والمهنيين الاطلاع عليه؟
فالثروة البحرية ملك عمومي، والقرار الإداري يفترض أن يخضع للمصلحة العامة والمعايير الموضوعية، بينما تظل الإدارة العمومية مطالبة بالحفاظ على مسافة واحدة من مختلف المتنافسين السياسيين.
وبين مقرر أُلغي بعد ثلاثة أيام ومقرر جديد عدّل مسافة المنع ومدد آجال النشاط البحري، يبقى الحسم في الجدل الدائر رهيناً بتقديم تفسير رسمي وشفاف يجيب عن الأسئلة التي فرضها هذا التغيير السريع، ويبدد أي شكوك بشأن ارتباط تدبير قطاع الصيد البحري بالحسابات الانتخابية.
تعليقات الزوار