تهجير أم تطوير حضري؟ أزمة العقارات في حي المحيط بالرباط تثير الجدل وتكشف غموض القرار

هبة زووم – الرباط
تعيش الواجهة البحرية لحي المحيط بالعاصمة الرباط حالة من الاحتقان والغموض وسط قلق متزايد بين سكان المنطقة بعد أنباء عن إخلائهم من منازلهم التي قطنوها لأكثر من سبعين عامًا.
الأزمة العقارية التي تفجرت مؤخرًا باتت محور حديث الجميع في الحي، حيث يواجه السكان تحديات قانونية واجتماعية تثير الكثير من التساؤلات، خاصة حول مشروعية قرار الإخلاء وتوقيت تنفيذه.
إخلاء دون سند قانوني؟
في البداية، بدأ الأمر عندما طالبت السلطات المحلية سكان الحي بإزالة بعض الإضافات والتعديلات التي أُدخلت على المنازل، وهو ما استجاب له السكان بتعاون واضح.
ثم، سرعان ما بدأت عمليات إصلاح واجهات المنازل في إطار ما قيل إنه مشروع إصلاح نموذجي، إلا أن الأمور تغيرت بشكل مفاجئ في الأشهر التالية، حيث أُبلغ السكان بشكل شفوي بقرار هدم شامل لمنازلهم دون أن يتم تسليمهم أي مستند رسمي يؤكد ذلك.
وبحسب العديد من السكان الذين عايشوا هذه التطورات، فإن قرار الإخلاء لا يزال يفتقر إلى أي توثيق قانوني أو إداري رسمي، مما يجعل العملية غير واضحة وتفتقر إلى الشفافية.
“كل من نسأله عن هذا القرار يجيب بأنه ‘جاء من الفوق’، لكننا لا نعرف من هو ‘الفوق'”، يقول أحد السكان متسائلًا عن حقيقة الجهات التي تقف وراء هذا القرار.
ملاك ومستأجرون في وضع معقد
يشتكي السكان من أن سلطات الحي ضغوطًا كبيرة عليهم لبيع منازلهم بأسعار محددة، إذ تم تحديد تعويضات بـ13 ألف درهم للمتر المربع بالنسبة للمنازل المحفظة و10 آلاف درهم بالنسبة لغير المحفظة، وهو مبلغ يعتبره الكثيرون غير كافٍ بالمرة بالنظر إلى القيمة الحقيقية للأراضي والمباني التي تحتوي على تصاميم تاريخية وثقافية.
من جهة أخرى، يواجه المستأجرون وضعًا أكثر تعقيدًا، إذ يجدون أنفسهم مضطرين للخروج من المنازل التي اعتادوها لسنوات، دون أن يتمكنوا من الحصول على تعويضات تتناسب مع وضعهم.
وبينما يشعر الملاك الأصليون بالقلق من انخفاض قيمة عقاراتهم بسبب وجود السكان، يشك المستأجرون في مصيرهم بعد إخلائهم من المنازل التي تعتبر بالنسبة لهم أكثر من مجرد مأوى، بل جزءًا من هويتهم.
أزمة الثقة في السلطة المحلية
تشير الشهادات من مختلف الأطراف المتضررة إلى وجود حالة من عدم الثقة بين السكان والسلطات المحلية، حيث يتهم السكان المسؤولين بعدم تقديم معلومات واضحة عن الخطوات القادمة، ويستغربون من الضغط عليهم لتسوية الوضع بشكل عاجل دون مراعاة الظروف الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين، خصوصًا مع اقتراب شهر رمضان.
وأشار العديد من السكان إلى أن السلطات المحلية كانت قد زعمت في البداية أن قرار الهدم يأتي ضمن خطة تطوير حضري شاملة، إلا أن غياب أي ضمانات قانونية وإدارية جعل هذا التفسير غير مقنع بالنسبة لهم.
فقد تفاجأ السكان بمهلة الإخلاء القصيرة التي لا تتجاوز الأسبوع، مما يزيد من حدة القلق والارتباك لديهم.
مطالب سكان حي المحيط
يؤكد السكان المتضررون أنهم لا يرفضون فكرة تحسين أو تطوير المنطقة، ولكنهم يطالبون بأن يكون هذا التطوير شفافًا ويتسم بالعدالة الاجتماعية، بحيث يتم ضمان حقوقهم أولًا.
كما يرفضون ما وصفوه بـ”التهجير القسري” للمواطنين الذين عاشوا في هذه المنطقة طيلة عقود طويلة، مشددين على ضرورة أن تشمل أي عملية تطوير بدائل سكنية لائقة تعوضهم عن منازلهم.
وأضاف السكان أنهم يريدون أن يكون هناك تقييم دقيق للظروف الاجتماعية والمادية لكل من الملاك والمستأجرين على حد سواء.
“نحن لا نطالب بالاستفادة من عقاراتنا بأعلى الأسعار، ولكن نريد أن نكون جزءًا من أي مشروع تنموي يحترم حقوقنا ويعترف بتضحياتنا على مدى عقود طويلة”، يقول أحد السكان.
التاريخ والتراث في خطر
من جانب آخر، يعبّر سكان الحي عن أسفهم لإمكانية هدم المباني التي تعد جزءًا من التاريخ العمراني للرباط. ويقول البعض إن هذه المنازل تتميز بتصاميم عمرانية فريدة من نوعها تعكس هوية ثقافية وتراثًا معماريًا يعود لسبعين عامًا.
“نحن نتحدث عن رياضات تقليدية جميلة تحمل بصمة مهندسين مغاربة، ولن يعوضها شيء آخر”، يضيف أحد السكان، مشيرًا إلى أن هدم هذه المباني سيكون بمثابة ضياع لتراث عمراني يعتز به الجميع.
دعوة لتدخل ملكي لحماية الحقوق
في ظل هذا الوضع المعقد، دعا السكان إلى تدخل الملك محمد السادس شخصيًا لحل هذه الأزمة وحماية حقوقهم، مؤكدين أنهم لا يتفهمون سبب هذه العملية المفاجئة والمعقدة التي لم تأخذ بعين الاعتبار كرامتهم وحقوقهم.
“نريد تدخلًا رسميًا لضمان حقنا في البقاء في منازلنا أو توفير حلول بديلة تحفظ كرامتنا، وإذا كان الهدف من هذه العملية هو المنفعة العامة، فنحن مستعدون للتعاون بشرط أن تكون حقوقنا محفوظة”، يقول أحد المتضررين.
وفي انتظار أن تتضح الصورة، يبقى سكان حي المحيط في الرباط عالقين بين مطرقة الضغط الاجتماعي وقضية الملكية، وسندان غموض الإجراءات التي تم اتخاذها ضدهم.
الأزمة العقارية في المنطقة تعد اختبارًا مهمًا للنظام الإداري في البلاد، الذي يجب عليه تحقيق توازن بين مصالح التنمية والتطوير وحماية حقوق المواطنين الأصليين الذين يعانون من هواجس تهجير غير مبرر.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد