الدار البيضاء.. فساد المنتخبين وصمت بعض العمال يُفرمل إصلاحات الوالي امهيدية ويُعمّق جراح العاصمة الاقتصادية

هبة زووم – إلياس الراشدي
وأنا أتابع من بعيد، بامتعاض لا يخلو من قلق، ما آل إليه الوضع السياسي في العاصمة الاقتصادية، تتراءى أمامي صورة قديمة لحلاق بسيط، كان يروي بحماسة تفاصيل الحرب العالمية الثانية على رأس زبونه، إلى أن انفجر غاضبًا: “الله ينعل السياسة والسياسيين!”.
فكيف لا نلعن نحن أيضًا ما آل إليه واقعنا السياسي؟ وكيف لا نتوجس من خيبات الأمل المتكررة التي باتت تنخر المدينة الأكبر بالمملكة؟
الدار البيضاء، هذه الحاضرة التي كانت تضج بالحياة والمشاريع، تعيش اليوم حالة فراغ سياسي وركود تنموي خانق، نتيجة التعثرات المتتالية لعمدة المدينة نبيلة الرميلي، التي لم تنجح، منذ توليها المنصب، في إخراج المدينة من غرفة الانتظار الباردة.. فلا هي أعلنت انسحابها، ولا هي تحملت مسؤولية قيادة إصلاح حقيقي يليق بمكانة العاصمة الاقتصادية.
لكن الأخطر من هذا كله، هو ما بدأ يتسرب إلى الرأي العام من فضائح فساد وهدر للمال العام، يشارك فيها منتخبون، مقاولون، مستثمرون، بل وحتى بعض عمال السلطة، في مشهد عبثي يعكس تغوّل المصالح الضيقة، وسط غياب شبه تام للمحاسبة والرقابة الجادة.
لقد تحوّل شعار “حماية المال العام ومحاربة الفساد” إلى مجرد خطاب مناسباتي، فيما يتفنن البعض في التلاعب بالملفات، واستغلال المناصب، وتحويل الموارد إلى حساباتهم الخاصة، عبر شبكات ومصالح متشابكة، توظف النفوذ والسلطة لغرض واحد: الاغتناء غير المشروع.
هذا الواقع يضعنا أمام مفارقة صارخة: فبينما يتغنى البعض بتطبيق القانون وإنهاء زمن “السيبة”، تخرج من رحم الدولة ممارسات تُعيد إنتاج هذا الزمن بأوجه أكثر وقاحة واحترافًا، حيث أضحى الاستثناء قاعدة، والمفسدون نخبًا، والعبث سياسة معلنة.
إن ما يحدث في الدار البيضاء اليوم ليس مجرد تعثر في التدبير، بل أزمة بنيوية في الحكامة والمساءلة، تتطلب تدخلًا عاجلًا من مؤسسات الدولة لوضع حد لهذا النزيف، وفتح تحقيقات نزيهة في جميع ملفات الفساد التي تطال المال العام والمشاريع المعطلة.
الدار البيضاء لا تستحق هذا العبث، والمواطن لا يمكن أن يظل رهينة لتواطؤات مفضوحة بين فئات تعتقد أن المدينة “غنيمة” وليست مسؤولية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد