هبة زووم – المحمدية
لم يكن يدري العامل الجديد لإقليم المحمدية، عادل المالكي، أن الملفات التي تنتظره في هذه المدينة ليست مجرد رخص وميزانيات ولقاءات بروتوكولية، بل “حقل ألغام” حقيقي اسمه تسيير الشأن المحلي في مدينة تختنق بيئيًا وتتألم اجتماعيًا.
فالمدينة، التي طالما حُلم بها كرمز للتطور العمراني والبيئي، تحولت في الشهور الأخيرة إلى بقعة معزولة بروائح كريهة تزكم الأنوف، تثير فزع الساكنة وتغتال صورة المحمدية كـ”مدينة الزهور”.
الشكايات اليومية من المواطنين تكاد تُجمع على وصفٍ واحد: روائح خانقة تشبه المواد الكيميائية أو مياه الصرف الصحي، تغزو المنازل خصوصًا ليلاً وصباحًا، دون أن تُعرف الجهة المسؤولة أو حتى مصدر هذا التلوث.
“أضطر لإغلاق النوافذ رغم الحر الشديد، لأن الرائحة تُفقدك القدرة على التنفس. الوضع أصبح لا يُطاق”، تقول إحدى ساكنات حي الراشيدية.
في ظل هذا الوضع المقلق، يُرجّح المواطنون أن تكون بعض الوحدات الصناعية المجاورة هي المصدر الرئيس لهذه الانبعاثات، بينما تلتزم السلطات المحلية والإقليمية صمتًا مريبًا، دون إصدار أي توضيح رسمي يُطمئن الساكنة أو يحدد المسؤوليات.
من جانبهم، بدأ الأطباء يلاحظون ارتفاعًا في حالات الربو والحساسية وأمراض الجهاز التنفسي، خاصة بين الأطفال والمسنين.
يقول الدكتور “م.ض” طبيب بإحدى المراكز الصحية بالمدينة: “لا يمكن الحسم في السبب دون دراسات علمية ميدانية، لكن من الواضح أن هناك تدهورًا بيئيًا يؤثر سلبًا على الصحة العامة”.
في المقابل، يوجه الفاعلون الجمعويون والسياسيون المحليون أصابع الاتهام للمجالس المنتخبة، متحدثين عن “تواطؤ صامت” مع المصالح الصناعية الكبرى، وعدم تحركهم لفرض رقابة بيئية حقيقية على الوحدات الملوثة، بل وتخاذلهم في ممارسة دورهم الدستوري في حماية البيئة وصحة المواطنين.
هكذا، وبين روائح تُنذر بالخطر وصمت إداري يُذكي الشكوك، يجد العامل عادل المالكي نفسه أمام تحدٍّ بيئي واجتماعي مركب، يُختبر فيه مدى قدرته على كسر الصمت وإعادة الاعتبار لحق الساكنة في بيئة سليمة.
فهل يستطيع العامل الجديد أن يُنظّف تركة اختناق بيئي مزمن؟ أم أن المحمدية ستبقى رهينة “صفقات المصالح” ورائحة الفشل السياسي والإداري؟ الأسئلة كثيرة، لكن المؤكد أن الساكنة لم تعد تطيق الانتظار.
تعليقات الزوار