“عملة” أخنوش السياسية: هل الصدق يكفي حين تعجز الجيوب عن مجاراة الأسعار؟

هبة زووم – محمد خطاري
في مشهد حزبي صاخب، استعرض رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، ما اعتبره رصيده السياسي أمام أنصاره قائلاً إن “عملته هي الصدق والمصداقية”.
ولأن هذه الجملة جاءت في لحظة اجتماعية مشحونة بالغضب والتساؤل، فقد بدت، في نظر كثير من المغاربة، وكأنها محاولة لتمويه واقع لا يُجاريه الخطاب ولا تغطيه الشعارات.
فما معنى الصدق حين تعجز الأسر المغربية عن توفير الأضاحي في عيد الأضحى؟ وما جدوى المصداقية عندما تتضاعف أسعار المواد الغذائية دون سقف ولا ضابط، بينما تكتفي الحكومة بوعود فضفاضة أو تبريرات جاهزة؟
الأسعار تشتعل… و”الصدق” يُستعمل كستار سياسي
ارتفاع أسعار المواد الأساسية، وعلى رأسها اللحوم، الخضر، الحبوب، والسمك، بات سيفًا مسلطًا على رقاب المواطنين، لا سيما الطبقة المتوسطة والفقيرة. ومع اقتراب عيد الأضحى، لم تعد الأزمة مجرد أرقام في تقارير حكومية، بل تحولت إلى حرمان ملموس من واحدة من أعرق الشعائر الاجتماعية والدينية في البلاد.
في المقابل، تصر الحكومة على تسويق سرديات تضع “الجفاف” و”السياق الدولي” كذرائع وحيدة، بينما يواجه الشارع واقعًا تؤججه المضاربات، وغياب الرقابة، وهيمنة لوبيات تجارية لا تُبالي بالأزمة بقدر ما تلهث وراء الربح السريع.
الصدق لا يُقاس بالكلمات… بل بقرارات تحمي المواطن
إذا كان أخنوش يعتبر “الصدق” عملته، فإن المغاربة يبحثون اليوم عن ترجمة هذه العملة إلى تدابير تضمن الحد الأدنى من الكرامة.
فالمواطن الذي لم يعُد يستطيع شراء السمك في بلد يملك آلاف الكيلومترات من السواحل، لا يحتاج لمن يحدثه عن المصداقية، بل لمن يُعيد تنظيم السوق ويكبح جشع الوسطاء.
وإذا كانت الحكومة صادقة فعلًا، فهل تملك الشجاعة للاعتراف بأن نموذجها الفلاحي الموجه للتصدير ساهم في استنزاف المياه وإغراق السوق الداخلي في أزمات متكررة؟ وهل تملك الجرأة لمساءلة من استفاد من الريع والامتيازات على حساب الأمن الغذائي والمائي للبلاد؟
المغاربة لا يطلبون المعجزات… فقط قليلًا من الحقيقة
المفارقة أن الشارع المغربي، رغم كل ما يعتمل فيه من غضب مكتوم، لا يطلب المستحيل. جل ما يريده المواطن هو خطاب واقعي، لا يُشبه البيانات الرسمية ولا احتفالات الأحزاب. يريد أن يُعامل كشريك في الوطن، لا كمتلقٍ للوعود.
وفي زمن الشفافية المفترضة، أصبح الصدق مسؤولية سياسية، لا ترفًا لغويًا. فإما أن تتحول هذه “العملة” التي تحدث عنها أخنوش إلى أفعال تنعكس على الأسعار والمعيش اليومي، أو تبقى مجرد واجهة تُخفي وراءها عجز الحكومة عن حماية مواطنيها من موجات الغلاء وضربات السوق.
في بلد أنهكته التفاوتات الاجتماعية والمجالية، لن تنفع الشعارات مهما كانت “صادقة”، إذا لم تُترجم إلى قرارات تضع المواطن في قلب السياسات، لا في هامشها.
فالأمن الغذائي، وكرامة العيش، ليستا مجالًا للتجميل الخطابي، بل اختبارًا يوميًا لمدى صدق المسؤولين مع أنفسهم… ومع من انتخبهم.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد