النيابة العامة المغربية بين رهانات التحول وثقل التحديات: بلاوي يعلن انطلاق مرحلة “النيابة المواطنة”

هبة زووم – محمد خطاري
في ظل المتغيرات العميقة التي يشهدها المشهد القضائي الوطني والدولي، خرج الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، رئيس النيابة العامة، هشام بلاوي، بتشخيص دقيق لواقع مؤسسة النيابة العامة، معلنًا أن التحديات المتنامية تفرض انتقالًا نوعيًا في الممارسة القضائية، يُواكب مكانة المغرب دوليًا ويلبّي انتظارات المواطنين.
خلال كلمته اليوم الخميس 17 يوليوز 2025، في لقاء تواصلي نظمته رئاسة النيابة العامة بالرباط مع المسؤولين القضائيين بمختلف محاكم المملكة، أكد بلاوي أن “تأهيل فضاء النيابة العامة لم يعد خيارًا، بل ضرورة تقتضيها الاستحقاقات العالمية التي باتت بلادنا في قلبها، كمؤشر على الثقة التي تحظى بها من قبل المؤسسات الدولية”.
الرسالة الأبرز التي حملها الخطاب تمثلت في التأكيد على أن التوجيهات الملكية السامية، ولا سيما دعوة الملك محمد السادس إلى قضاء مستقل وفعال، يجب أن تُترجم على أرض الواقع بممارسات ملموسة من طرف قضاة النيابة العامة، الذين اعتبرهم بلاوي في “خط التماس” الأول مع المجتمع والمواطن.
وتابع المسؤول القضائي قائلا: “ما يطمح إليه المواطن وما تنتظره الدولة من القضاء، يستدعي تعبئة جماعية ومسؤولية أخلاقية ومؤسساتية، في ظل تحولات تشريعية كبرى تعرفها منظومة العدالة”، مُشيرًا إلى قوانين محورية من قبيل قانون العقوبات البديلة وقانون المسطرة الجنائية، اللذَين يستوجبان استعدادًا مهنيًا ومؤسساتيًا للتنزيل الجيد.
التحول الجوهري الذي طبع هذا اللقاء يتمثل في رفع رئاسة النيابة العامة لشعار المرحلة الجديدة: “نيابة عامة مواطنة: حامية لأمن وسلامة المجتمع، ضامنة للحقوق والحريات”.
بلاوي أوضح أن هذا الشعار ليس مجرد تعبير بل خطة عمل ستراتيجية تمتد من 2026 إلى 2029، تستند إلى جملة من المبادئ التوجيهية، أهمه: تعزيز الثقة في مؤسسة النيابة العامة، الرفع من نجاعة الأداء القضائي، حماية النظام العام الاقتصادي والاجتماعي، تأهيل العنصر البشري باعتباره الرأسمال الأساس للنجاح، تنويع الشراكات وتعزيز التعاون المؤسساتي.
وفي حديثه عن هذا المخطط، شدد رئيس النيابة العامة على أن تحقيق أهدافه رهين بالتنسيق والعمل الجماعي والانخراط المهني الجاد، وبناء علاقات تعاون مع باقي الفاعلين في العدالة، بما يُفضي إلى إنتاج بيئة مؤسساتية سليمة تدفع نحو تجويد الأداء.
وفي السياق ذاته، كشف بلاوي عن أهمية اللقاء التواصلي، الذي لم يكن فقط مناسبة لتبادل وجهات النظر، بل خطوة نحو مواكبة حقيقية لعمل النيابات العامة من طرف الرئاسة، في ضوء مضامين ظهير تعيين الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، ما يُعزز البعد المؤسساتي للعمل القضائي في المغرب.
المؤسسة القضائية المغربية، كما عبّر بلاوي، تقف اليوم على عتبة مرحلة جديدة، لا تقبل إلا بقضاء مُلتزم، مستقل، فعّال، ومُنفتح. مرحلة ترتكز على منظومة قيمية أساسها الضمير المهني والعمل بروح الفريق والمسؤولية أمام الوطن والمواطن.
النيابة العامة المواطنة، إذن، ليست مجرد شعار إداري، بل رهان مجتمعي وأخلاقي يعكس طموح دولة في طور إعادة تعريف علاقتها بمواطنيها ومؤسساتها.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد