الشرفة الأطلسية في مهب الإسمنت: العرائش ترفض اغتيال ذاكرتها

هبة زووم – العرائش
في خطوة تُعيد إلى الواجهة الجدل القديم حول نمط تدبير المشاريع الحضرية، تفجّر مشروع تأهيل الشرفة الأطلسية بمدينة العرائش إلى قضية رأي عام، بعدما عبّرت مكونات مدنية وحقوقية عن قلقها العميق من طمس معالم هذا الفضاء التاريخي، الذي يُعدّ من أبرز رموز الهوية البصرية والثقافية للمدينة.
البيان الصادر عن التنسيقية العامة لمنتدى حقوق الإنسان لشمال المغرب لم يكتف بالإشارة إلى أوجه القصور في التصور الهندسي والتخطيط العمراني للمشروع، بل ذهب أبعد من ذلك، حين اعتبر الأشغال الجارية “مُجحفة” في حق ذاكرة مدينة تنفرد برصيد حضاري متجذر، يعكسه فضاء الشرفة الأطلسية التي تشكّل نافذة بانورامية على البحر والمدينة القديمة، وساحة للتلاقي بين الإنسان وموروثه.
ذاكرة تُغتال بالإسمنت؟
تنتقد التنسيقية ما وصفته بـ”الإجهاز الممنهج” على الرموز المعمارية التي شكّلت على مدى عقود جزءاً لا يتجزأ من وجدان سكان العرائش، من حدائق وسقائف وأعمدة وعريشات، تم استبدالها ـ دون أي مقاربة تشاركية فعلية ـ بساحة إسمنتية لا تُعبّر سوى عن منطق التشييد الميكانيكي الخالي من الروح والهوية.
الهيئة الحقوقية، التي تنضوي تحت لوائها فعاليات متعددة، شدّدت على أن غياب رؤية مندمجة تحفظ التوازن بين متطلبات التأهيل وصون التراث، جعل المشروع في صيغته الحالية خارج حسابات الانسجام الجمالي والرمزي، ما اعتبرته خرقًا صريحًا لحق الساكنة في مدينة تحفظ ذاكرتها وتُثمّن خصوصياتها الثقافية.
تأهيل أم تشويه مقنّع؟
في المقابل، أكدت التنسيقية أنها لا تعارض فكرة التأهيل في حد ذاتها، بل ترفض أن يتم ذلك على حساب الهوية البصرية والموروث الثقافي والبيئي للمدينة. وهو ما عبّرت عنه بوضوح عبر دعوتها إلى “تعليق افتتاح الشرفة في صيغتها الحالية” وتنظيم يوم دراسي مفتوح يُشرك كافة المتدخلين من مهندسين وتقنيين وممثلي السلطات والمجتمع المدني، بهدف مراجعة شاملة للتصميم.
وفي لهجة لا تخلو من تحذير، اعتبرت الهيئة أن أي افتتاح صوري للمشروع قبل معالجته يعد “استفزازا للساكنة ومحاولة لفرض الأمر الواقع”، متوعدة بالتصعيد في إطار الأشكال السلمية القانونية.
دعوة إلى تحقيق وتقييم
من بين المطالب الأساسية التي رفعتها التنسيقية، إجراء تقييم دقيق للأثر البيئي والثقافي للمشروع، وفتح تحقيق معمق في التغييرات التي مست الفضاء، إلى جانب المطالبة بـ”عدالة مجالية” تعيد التوازن بين المشاريع المبرمجة داخل جهة الشمال، في ظل ما سمته بـ”التمييز التنموي الصارخ” الذي تعانيه العرائش مقارنة بمدن مجاورة.
كما عبّرت التنسيقية عن دعمها لكافة الهيئات والجمعيات التي دقت ناقوس الخطر منذ الإعلان عن المشروع، مشيدة بالأدوار الترافعية التي قامت بها من خلال بيانات وعرائض تم تجاهلها، حسب نص البيان.
احتجاج قادم.. والتلويح بالتصعيد
وفي خطوة احتجاجية ترمز إلى بداية تحرك ميداني واسع، أعلنت التنسيقية عن انخراطها في الوقفة المزمع تنظيمها يوم السبت 19 يوليوز 2025 بالشرفة الأطلسية، إلى جانب فعاليات مدنية ومواطنين غاضبين، رافعين شعار “عرائش فخورة بتاريخها.. مؤمنة بهويتها.. ومتصالحة مع مستقبلها”.
واختتم البيان بتأكيد صريح على عزم المنتدى وفعالياته على “سلوك كل المساطر القانونية الممكنة من أجل وقف هذا العبث الحضري، والانتصار لذاكرة جماعية تشكّل عصب الشخصية العرائشية”.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد