هبة زووم – أبو العلا العطاوي
في الوقت الذي تنشغل فيه الدولة بـ”حلم 2030″ ووعود تنظيم كأس العالم كمدخل لنهضة تنموية شاملة، تعيش أزيلال في هامش هذا الحلم، بل وخارجه تمامًا. هنا، لا تُرفع الشعارات، ولا تُعلّق صور المونديال، بل تُرفع الأيادي إلى السماء طلبًا للغيث، لا ماء الصنابير.
من يسمع الخطابات الرسمية عن فرص الاستثمار، والتحديث، والإقلاع الاقتصادي، يُخيّل إليه أن البلاد على مشارف معجزة. لكن الحقيقة على الأرض، في دواوير أزيلال وقراها المنسية، تقول شيئًا آخر: الانتظار أصبح نمط حياة، و”الصبر” هو السياسة العمومية الوحيدة المفعّلة.
بعد رحيل العامل السابق محمد عطفاوي، الذي راكم خلال سنوات مهامه العديد من المشاريع التي بقي الكثير منها حبراً على ورق أو مشاريع متعثرة تنتظر من يُخرجها من غرف الإنعاش الإداري، جاء العامل الجديد بنخيي وسط آمال معلّقة، لكن، حتى الآن، لا مؤشرات على أن الرياح قد تغيرت فعلاً، سوى تغير الأسماء.
المواطن في أزيلال لا يسأل عن الاسم، بل عن الفعل: هل تغيّر شيء في المستشفى الذي يُغلق بابه أكثر مما يفتحه؟ هل تحسنت البنية التحتية التي تتحول إلى كابوس مع كل شتاء؟ هل سمع أحد بمطالب القرى الجبلية التي ما زالت تعيش وكأن الكهرباء لم تُكتشف بعد؟
في الأزقة الجانبية للمدينة، وفي القرى النائية حيث لا عدسات ولا منصات رقمية، يُكتب يوم المواطن بحبر الحاجة، وورق النسيان، طفلة في العاشرة تبيع المناديل بدل أن تحمل حقيبة مدرسية، عجوز في السبعين يجمع البلاستيك كي يشتري دواءه، نساء يحملن ماء السواقي كما حملته جداتهن قبل عقود.
لا شيء تغيّر سوى الأسعار، والفقر الذي صار “عادياً”، و”مؤجلاً”، حتى صار العيش في الانتظار وكأنه قدر مقدّس.
وسط هذا البؤس النبيل، يردد الناس همسًا جملة واحدة: نحن لا نطلب الكثير، فقط أن نتساوى في المعاناة، في الاهتمام، في أبسط الحقوق، لكن عندما يرون أبناءهم يهاجرون، وبيوتهم تخلو من الأمل، يعرفون أن معركة الإيمان بأن “الغد أفضل” قد خُسرت، على يد صمت الإدارات، وتكلّس السياسات.
حين يسمع ساكن أزيلال عن الملايير المخصصة للملاعب والفنادق ومناطق المشجعين، يتساءل إن كانت تلك الأموال كافية لتزويد دواره بقنينة أكسجين، أو إصلاح مدرسة متهالكة، أو تعبيد طريق يُنقذ النساء الحوامل من الموت في الطريق إلى المستشفى.
هنا، لا أحد يعارض المونديال، بل يرفض أن يكون ذريعة أخرى لتجميل وجه تنمية لم تعرفهم منذ الاستقلال.
في أزيلال، لا يحتجون، لا يخرجون في مسيرات، لأنهم تعبوا من الصراخ، هنا، الألم لا يُعرض في نشرات الأخبار، بل يعيش معهم، على موائدهم، وفي صمتهم الطويل.. إنه وجع مغربي بامتياز… لا يتسول، لا يثور، فقط يصبر… حتى يُنسى.
تعليقات الزوار