هبة زووم – إلياس الراشدي
منذ تعيين العامل الحالي على رأس عمالة إقليم طانطان، لم يعد المواطنون يتساءلون عن دور العمالة أو يترقبون قراراتها، ليس لأن الأمور على ما يرام، بل لأن الجميع بات مقتنعًا بأن المؤسسة فقدت صلتها بوظيفتها الأساسية: تحقيق التنمية وخدمة الساكنة.
ففي عهد العامل الشاطر، تحولت العمالة من مرفق عمومي منوط به تأطير الشأن المحلي والدفع بمسارات التأهيل الاجتماعي والاقتصادي، إلى فضاء أقرب إلى “ناد مغلق”، يفتح أبوابه لأصحاب النفوذ والامتيازات، ويغلقها في وجه المظلومين والمهمّشين، حتى أولئك الذين اعتادوا مجرد الحلم بالإنصات.
المثير في كل هذا أن الخطاب الرسمي لا يزال يرفع شعارات براقة من قبيل “خدمة الوطن” و”الإصلاح من الداخل”، بينما الواقع اليومي يشير إلى اهتمام محصور على شبكة من المقربين، في حلبة فقدت كل قواعد التنافس الشريف، وحتى أدنى معايير الشفافية.
ما تبقى من برامج ومشاريع تنموية، يتعثر في دهاليز التدبير المرتبك وغياب الرؤية، بينما تقف بعض المبادرات رهينة لحسابات ضيقة، توزع فيها المنافع وتُقايض فيها المناصب، ويغيب عنها المواطن كليًا.
وسط هذا الفراغ المؤسساتي، تآكلت ثقة المواطنين بشكل غير مسبوق. ولم يعد الإحباط يُقاس بعدد الخيبات أو حجم الكوارث التنموية، بل بمستوى اللامبالاة.
لقد صار كثيرون يعزفون عن المشاركة في الانتخابات، لا احتجاجًا، بل لأنهم مؤمنون بأن أصواتهم لا تُحتسب، وأن الصناديق تُفرز ما تم ترتيبه مسبقًا لا ما وُضع فيها.
ومن بقي منهم يُصوّت، فغالبًا ما يكون مدفوعًا بالخوف، أو العادة، أو بسبب “الهدايا” التي لا تمت بصلة لبرامج أو وعود، بل تعيد إنتاج نفس السلوكيات الريعية التي ترسخ التخلف وتغتال الثقة.
الوضع في طانطان ليس مجرد أزمة تدبير عابر، بل أزمة شرعية ومصداقية. مشهد ميت إكلينيكيًا، لا يحتاج فقط إلى إنعاش، بل إلى إعادة اختراع كامل لوظيفة العامل والمؤسسات الترابية.
فلا معنى للاستمرار في إنتاج نفس الخطاب ونفس “النية الحسنة”، في حين المواطن ينتقل يومًا بعد يوم من موقع التفاؤل إلى موقع السخرية فالغضب فالانسحاب الكامل.
اليوم، الكل يعلم أن عبارة “الفقيه لنتسناو بركتو دخل للجامع ببلغتو” لم تعد مجازًا فقط، بل توصيفًا دقيقًا لحالة انهيار المعنى السياسي والإداري داخل مؤسسة عمالية يُفترض أن تكون في قلب التنمية، لا على هامشها… أو خارجها تمامًا.
تعليقات الزوار