هبة زووم – محمد خطاري
في سياق التحولات التي يشهدها المغرب على مستوى التدبير العمومي، وتعزيز الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، تبرز مجموعة من التساؤلات الجادة والمشروعة بشأن طرق تدبير عدد من القطاعات الوزارية، وفي مقدمتها وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، التي باتت في واجهة النقاش العمومي، بفعل ما يُثار حولها من ملاحظات تتعلق بأسلوب صرف الميزانيات، وطريقة إسناد الصفقات، والتدبير المؤسساتي للبرامج والمشاريع، خاصة في ظل غياب التواصل المؤسساتي الفعّال وتضارب المعطيات المعلنة.
إن مبدأ الحكامة الجيدة، كما نص عليه دستور المملكة في الفصل الأول والفصل 154، لا يقتصر فقط على وجود برامج وأوراش تحمل عناوين إصلاحية، بل يشترط آليات شفافة للتنزيل، وتوازنا في توزيع الاستثمارات، واحترامًا كاملاً للمساطر القانونية، بدءًا من إعداد الصفقات العمومية، مرورًا بطريقة إسنادها، وانتهاءً بمتابعة تنفيذها وتقييم أثرها الاجتماعي والاقتصادي.
وفي هذا السياق، تبرز مؤشرات مثيرة للقلق في عدد من المشاريع التي تُشرف عليها وزارة الانتقال الطاقي، خاصة تلك المرتبطة ببرامج “النجاعة الطاقية” و”الطاقات المتجددة” الموجهة للمدن المتوسطة والصغيرة، والتي غالبًا ما تُقدَّم إعلاميًا كمكاسب استراتيجية، لكن غياب الأثر الملموس لها ميدانيًا، وغياب معطيات دقيقة حول نتائجها المالية والفنية، يُضعف ثقة المواطن في مدى نزاهة هذا التدبير وجدواه الاقتصادية.
كما أن تكريس منطق الانتقائية في اختيار الشركاء المحليين، واعتماد معايير غير واضحة في إسناد مشاريع الشراكة مع الجماعات، يطرح علامات استفهام حول مدى احترام مبدأ العدالة المجالية، ومدى انسجام هذه البرامج مع أهداف السياسات العمومية في مجال الطاقات النظيفة، كما حددتها التوجيهات الملكية والاستراتيجية الوطنية للانتقال الطاقي.
من جهة أخرى، فإن ما يُتداول داخل عدد من الأوساط المهنية من غياب توازن في توزيع المنافع المرتبطة ببعض الصفقات، وتكرار أسماء بعينها في المشاريع الكبرى والمتوسطة، يدعو إلى فتح نقاش مؤسساتي حول ضرورة تدقيق العمليات المرتبطة بالصفقات العمومية في القطاع، وتفعيل دور المفتشية العامة للوزارة ومؤسسات الرقابة الخارجية، خاصة وأن الأمر يتعلق بمال عام يجب أن يُصرف وفق منطق المصلحة العامة، وليس بمنطق “الزبونية التقنية” أو “التموقع الشبكي”.
وفي ظل اتساع رقعة التذمر لدى بعض الفاعلين المحليين والمقاولات الوطنية، الذين يعتبرون أنفسهم مقصيين من فرص الولوج العادل للصفقات المرتبطة بالانتقال الطاقي، تبرز الحاجة إلى إعادة هيكلة العلاقة بين المركز والجهات، وتقوية آليات تتبع وتقييم المشاريع الطاقية بشكل دوري، مع إشراك المجتمع المدني والهيئات المهنية في المراقبة والتقييم، وفق ما تنص عليه قوانين الحكامة التشاركية.
إن وزارة الانتقال الطاقي مطالبة، بحكم مسؤوليتها المؤسساتية، بتقديم تقارير مفصلة إلى الرأي العام حول تدبيرها للبرامج والميزانيات، والتفاعل مع مختلف الملاحظات الصادرة عن الفاعلين المحليين والوطنيين، بما يعزز الثقة في المؤسسات ويجسد مبدأ الشفافية.
ولعل التحدي الأكبر الذي تواجهه الوزارة اليوم ليس في إطلاق البرامج أو تسويق الإنجازات، بل في ضمان النزاهة الإدارية والعدالة في توزيع الفرص، والرفع من منسوب الشفافية والمسؤولية، باعتبار ذلك جوهر أي إصلاح حقيقي، وأساس صيانة المال العام.
وفي انتظار تقييم رسمي محايد وعلني لمخرجات مشاريع الانتقال الطاقي خلال السنوات الأخيرة، سيظل المواطن المغربي، ومعه الفاعل المدني والحقوقي، في موقع طرح السؤال المشروع: هل تُدار الوزارة بمنطق المرفق العمومي الذي تحكمه قواعد القانون، أم بمنطق استثمار سياسي ـ شبكي تحكمه المصالح؟ ويبقى الجواب معلقًا إلى حين إثبات العكس عبر التقارير، والمحاسبة، والتصحيح.
تعليقات الزوار