جدل إلغاء بحوث الإجازة وتغيير مسار الماستر يجر وزير التعليم العالي إلى قبة البرلمان

هبة زووم – الرباط
أثار قرار وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، القاضي بإلغاء بحوث الإجازة واعتماد صيغ جديدة لإنجاز بحوث الماستر قائمة أساساً على التدريب الميداني، موجة جدل واسعة داخل الأوساط الجامعية والسياسية على حد سواء.
القرار، الذي نُشر في الجريدة الرسمية، يرسم ملامح مرحلة جديدة في التكوين الجامعي، لكنه في الوقت ذاته يطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل البحث العلمي في الجامعة المغربية.
في هذا السياق، بادرت النائبة البرلمانية خديجة الزومي، عن الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية، إلى توجيه سؤال كتابي إلى وزير التعليم العالي، تستفسره فيه عن خلفيات هذا القرار وتداعياته على جودة التكوين.
ووصفت الزومي الخطوة بأنها «غير محسوبة العواقب»، معتبرة أنها تُفرغ الجامعة من وظيفتها الأساسية المتمثلة في إنتاج المعرفة، وتحرم الطلبة من تجربة حاسمة في مسارهم الأكاديمي، تُمكّنهم من التمرس على البحث والتحليل والنقد.
وأضافت البرلمانية أن الاقتصار على التدريب الميداني وحده لا يكفي لتعويض البحث الجامعي، متسائلة عن البدائل التي تضمن تكويناً متكاملاً ومتوازناً للطلبة.
وشددت على أن أي إصلاح لا ينبغي أن يغفل الدور الأكاديمي للجامعة المغربية بوصفها فضاء لإنتاج المعرفة وتنمية البحث العلمي، لا مجرد قناة للتكوين المهني.
انتقادات أكاديمية وطلابية
داخل الجامعة، لم يكن رد الفعل أقل حدة، حيث عبّر أساتذة وطلبة عن تخوفهم من أن يؤدي القرار إلى إضعاف جودة التكوين وإبعاد الجامعة عن رسالتها العلمية.
ويرى العديد من الأساتذة أن بحوث الإجازة تمثل مدخلاً أساسياً للطلبة نحو البحث العلمي، إذ تُشكل أول احتكاك لهم بالمنهجيات الأكاديمية وأساليب الإنتاج المعرفي، بينما يُمكّن بحث الماستر من تعميق التجربة وإعداد الطالب لمستوى الدكتوراه.
في المقابل، يعتبر مؤيدو القرار أن النظام القديم أفرز بحوثاً شكلية في كثير من الأحيان، حيث تحوّلت بحوث الإجازة خاصة إلى مجرد أوراق تقنية تفتقر للجدة العلمية، وأن التركيز على التدريب الميداني سيقرب الجامعة من سوق الشغل ويُزود الطلبة بمهارات عملية أكثر ارتباطاً بمتطلبات الواقع.
بين الإصلاح والجدل
وبحسب القرار الجديد، فإن الطالب في سلك الماستر سيكون ملزماً بخوض فترة تدريب داخل مؤسسة أو مقاولة أو إدارة، تحت إشراف مشترك بين أستاذ جامعي ومؤطر مهني من الجهة المستقبِلة، على أن يُتوّج التدريب بإعداد تقرير مفصل يوجز التجربة ويبرز المكتسبات التطبيقية.
هذا التوجه يعكس رغبة الوزارة في إعادة صياغة العلاقة بين الجامعة والمحيط الاقتصادي والاجتماعي، لكنه في الآن نفسه يعيد طرح الإشكاليات الكلاسيكية المتعلقة بمكانة البحث العلمي في المغرب، وضعف التمويل المخصص له، وغياب رؤية متكاملة تجعل الجامعة رافعة للتنمية وليست مجرد منتج لشهادات.
الجامعة في مفترق طرق
الجدل الدائر اليوم يكشف أن الجامعة المغربية تقف أمام مفترق طرق حقيقي: بين خيار الانفتاح على سوق العمل عبر تكوين تطبيقي أكثر التصاقاً بالواقع، وخيار الحفاظ على هويتها الأكاديمية باعتبارها مؤسسة لإنتاج الفكر والمعرفة.
التحدي الأكبر يكمن في إيجاد صيغة وسطية تضمن للطالب تكويناً تطبيقياً منفتحاً، دون التفريط في قيم البحث العلمي التي تُعتبر العمود الفقري لكل جامعة عصرية.
ويبقى السؤال المطروح: هل سيقود هذا القرار إلى جامعة أكثر ارتباطاً بالواقع، أم أنه سيُحوّلها إلى مؤسسة مهنية تفقد دورها العلمي والمعرفي؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد