الميداوي بين مسؤولية التواصل و”تجييش” رؤساء الجامعات والعمداء للدفاع عن قرارات الوزارة

هبة زووم – الرباط
تطرح الطريقة التي تدير بها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار النقاش العمومي حول عدد من القرارات الجديدة، ولا سيما ما يرتبط بالتوقيت الميسر والرسوم المفروضة على الموظفين والأجراء، أسئلة جدية حول موقع التواصل المؤسساتي في تدبير الأزمات والقرارات التي تثير جدلاً داخل الوسط الجامعي.
فبدل أن تتقدم الوزارة، باعتبارها الجهة صاحبة القرار والمسؤولة عن شرحه وتبريره، إلى الرأي العام والطلبة والأساتذة والموظفين، يبدو أن عبء الدفاع عن اختيارات الوزير عز الدين الميداوي انتقل، في حالات عدة، إلى رؤساء الجامعات وعمداء المؤسسات الجامعية، بما يجعل المسؤولية التواصلية للوزارة نفسها موضع تساؤل.
ولا يتعلق الأمر هنا برفض حق رؤساء الجامعات والعمداء في توضيح القرارات أو الدفاع عن مؤسساتهم، وإنما بالإشكال المرتبط بتحويل المسؤولين الجامعيين إلى واجهة للتواصل السياسي والإداري بشأن قرارات اتخذت على المستوى المركزي.
فالجامعة مؤسسة أكاديمية يفترض أن تحافظ على استقلالية النقاش العلمي وعلى التوازن بين مختلف مكونات المجتمع الجامعي، بينما تظل الوزارة هي الجهة التي تملك أدوات القرار والتفسير والتواصل المؤسساتي.
وقد سبق للوزير أن أكد أمام البرلمان أن التعليم الجامعي يظل مجانياً، وأن رسوم التوقيت الميسر تخص الموظفين والأجراء، في وقت أثارت فيه هذه الرسوم انتقادات واسعة، خصوصاً بعد تحديد مبالغ تتراوح بين 6 آلاف و17 ألف درهم حسب السلك الجامعي.
واللافت أكثر هو أن النقاش لم يكن يحتاج إلى “تعبئة” المسؤولين الجامعيين بقدر ما كان يحتاج إلى خطة تواصلية واضحة من الوزارة نفسها: بلاغات رسمية دقيقة، معطيات مالية مفصلة، توضيح للأساس القانوني للرسوم، شرح للفئات المعنية، وفتح قنوات حوار مباشرة مع الموظفين والأجراء والطلبة والأساتذة.
فالوزارة ليست مجرد جهاز لإصدار القرارات؛ إنها أيضاً مؤسسة مسؤولة عن بناء الثقة حول هذه القرارات. ومن غير المنطقي، في تدبير قضية بهذه الحساسية، أن يبدو التواصل وكأنه يأتي من محيط الوزير أكثر مما يأتي من الفريق الوزاري والإدارة المركزية المعنية.
ويزداد هذا التساؤل حدة عندما تكون الوزارة نفسها قد دخلت في نقاشات مع النقابات بشأن هذا الملف، حيث أُعلن لاحقاً عن التزامات تتعلق بإعفاءات لفئات معينة وبمجانية بعض التكوينات بالتوقيت الميسر.
إن أخطر ما يمكن أن ينتج عن هذه الطريقة في التدبير هو تحويل الخلاف حول قرار عمومي إلى مواجهة بين مكونات الأسرة الجامعية نفسها: رؤساء وعمداء في جهة، وموظفون وأساتذة وطلبة ونقابيون في جهة أخرى.
والحال أن الاختلاف حول السياسة الجامعية ينبغي أن يظل نقاشاً مؤسساتياً قائماً على المعطيات والحجج، لا اختباراً للولاء الإداري ولا مناسبة لإظهار الاصطفاف خلف الوزير.
فالرئيس والعميد مسؤولان أولاً أمام مؤسستهما ومجتمعهما الجامعي، وليس من وظائفهما أن يتحولا إلى متحدثين غير رسميين باسم الوزارة كلما واجه قرار مركزي موجة من الانتقادات.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يستطيع الميداوي إقناع رؤساء الجامعات والعمداء بالدفاع عن اختياراته؟ وإنما: لماذا لا تتولى الوزارة نفسها مهمة الإقناع والتفسير والتواصل؟ وأين هو الفريق التواصلي للوزارة في لحظة تحتاج فيها المؤسسات الجامعية إلى خطاب موحد وواضح؟
إن قوة الوزير لا تقاس بعدد المسؤولين الذين يخرجون للدفاع عنه، وإنما بقدرته على تقديم المعطيات للرأي العام، وتحمل المسؤولية السياسية عن قراراته، والإنصات إلى الاعتراضات، وتصحيح ما يستوجب التصحيح.
فالتواصل المؤسساتي ليس «تجييشاً» للفاعلين الإداريين، ولا هو عملية استنفار لرؤساء الجامعات والعمداء عند اشتداد الانتقادات. إنه وظيفة مؤسساتية قائمة على الشفافية والشرح والإنصات وتدبير الاختلاف.
وإذا كانت الوزارة مقتنعة فعلاً بسلامة قراراتها، فإن أفضل وسيلة للدفاع عنها ليست حشد المسؤولين الجامعيين في الصفوف الأمامية، وإنما تقديم وثائقها ومعطياتها وحججها أمام الرأي العام، وترك الحكم للجامعيين والطلبة والموظفين والمجتمع.
أما حين يغيب صوت الوزارة ويحضر صوت المسؤولين الجامعيين للدفاع عن الوزير، فإن المشكلة لا تعود في القرار وحده، بل في الطريقة التي يتم بها تدبير التواصل حوله.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد