عمر الهلالي.. موهبة تتأرجح بين الاعتراف والتهميش في المنتخب المغربي

هبة زووم – الرباط
يعيش المنتخب المغربي منذ سنوات على مفارقة غريبة: غزارة في المواهب الممارسة في أكبر الدوريات الأوروبية، يقابلها إصرار على تكرار نفس الأسماء في التشكيلة الرسمية، ولو على حساب لاعبين صاعدين يثبتون جدارتهم أسبوعاً بعد آخر. قصة اللاعب عمر الهلالي، الظهير الأيمن لنادي إسبانيول الإسباني، تمثل نموذجاً صارخاً لهذه المفارقة.
الهلالي، البالغ من العمر 21 سنة والمنحدر من أصول طنجاوية، خاض موسماً كاملاً في الليغا مع فريقه الكاتالوني، حيث شارك في 34 مباراة، وهو رقم يجعله أكثر لاعب مغربي تنافسية في الدوري الإسباني خلال الموسم الماضي.
أرقامه الفردية تعكس لاعباً متكاملاً: تفوق في التدخلات الدفاعية، دقة في التمريرات، وقدرة على المساهمة في البناء الهجومي. والأهم أنه لاعب متعدد الأدوار؛ قادر على شغل مركز الظهير الأيمن، الجناح، محور الوسط الدفاعي، وحتى المدافع الأوسط، وهو تنوع نادراً ما يتوفر في لاعب واحد.
لكن رغم هذه المعطيات، وجد الهلالي نفسه أمام سيناريو محبط: تمت المناداة عليه أخيراً للمنتخب الوطني، بعد طول انتظار، ليشارك في مباراة شكلية فقط، ويُستبدل بلاعب آخر تجاوز 32 سنة، نال فرصاً متكررة رغم محدودية أدائه في بعض الفترات.
وكأن وليد الركراكي أراد الاكتفاء بإرضاء اللاعب الشاب باستدعائه شكلياً، دون منحه فرصة حقيقية لإبراز إمكانياته.
هذه الطريقة في التدبير ليست جديدة على المنتخب. فقد شهدنا حالات مشابهة مع لاعبين شباب مميزين يتم استدعاؤهم ثم تهميشهم، بينما تحافظ أسماء أخرى على مكانتها بشكل شبه دائم.
وهو ما يطرح سؤالاً عريضاً حول فلسفة الانتقاء عند وليد الركراكي: هل نحن بصدد بناء مشروع يضمن إعداد الخلف، أم أننا رهائن “للأسماء المضمونة” التي تحظى بالثقة المطلقة؟
من الناحية التكتيكية، يظل مركز الظهير الأيمن محسوماً بوجود النجم العالمي أشرف حكيمي، لكن كرة القدم لعبة المفاجآت. الإصابات والإيقافات واردة في أي لحظة، وبالتالي فإن المنتخب مطالب بامتلاك بدائل حقيقية، وليس مجرد أسماء للتزيين في اللائحة.
عمر الهلالي مؤهل ليكون بديلاً استراتيجياً، بل ولاعباً أساسياً في حال الحاجة، بالنظر إلى تجربته في الليغا وقوة احتكاكه بأحد أقوى الدوريات في العالم.
ثمّة بعد آخر أكثر أهمية: الهلالي لاعب مرتبط وجدانياً بالمنتخب المغربي، عبّر مراراً عن شغفه بارتداء القميص الوطني وانتظر تلك اللحظة بفارغ الصبر.
لكن الطريقة التي عومل بها قد تعكس صورة سلبية عن كيفية استثمار المواهب، خصوصاً وأنه ينتمي إلى جيل صاعد حصد لقب كأس أمم إفريقيا لأقل من 23 سنة، المؤهل إلى أولمبياد باريس 2024. فهل يُعقل أن نستثمر في هذا الجيل ثم نهمله عند وصوله لمرحلة النضج؟
إن الإصرار على تدوير نفس الأسماء القديمة، وتجاهل لاعبين شباباً يمارسون بانتظام في الدوريات الكبرى، قد يفقد المنتخب ميزة تنافسية ثمينة. بل قد يبعث برسالة خاطئة لهؤلاء اللاعبين بأن مجهوداتهم في أنديتهم لا تكفي لحجز مكان داخل المنتخب، ما قد يؤثر على ارتباطهم بالمشروع الوطني على المدى البعيد.
الحقيقة أن ما يحتاجه المنتخب المغربي اليوم ليس مجرد “حاضر” قوي، بل رؤية متوازنة بين الحاضر والمستقبل. فحكيمي لن يبقى في قمة عطائه إلى الأبد، والرهان على بدائل مثله يجب أن يبدأ من الآن، وليس عندما يفرض الزمن التغيير. وعمر الهلالي، بما يملكه من مؤهلات وتجربة مبكرة في الليغا، يستحق أن يكون جزءاً من هذه الرؤية.
إن قصة الهلالي ليست مجرد تفاصيل عن لاعب لم يُمنح دقائق كافية، بل هي مرآة لنهج أوسع في تدبير الموارد البشرية الكروية.. نهج يحتاج إلى مراجعة جذرية تضع معيار الأداء والتطور فوق أي اعتبارات أخرى، وتفتح الباب أمام المواهب الشابة لتأخذ مكانها الطبيعي في بناء منتخب المستقبل.
فهل سيستوعب الناخب الوطني وليد الركراكي ومعه القائمون على المنتخب هذا الدرس، أم أننا سنظل ندور في حلقة مفرغة بين أسماء تتكرر، وأخرى تُهمّش، إلى أن يفوت الأوان؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد