هبة زووم – الرباط
“راحت السكرة وجاءت الفكرة”، مثلٌ شعبي يبدو أنه يصف بدقة الحالة التي يعيشها وزير الصحة والحماية الاجتماعية أمين التهراوي في الأسابيع الأخيرة.
فالرجل، الذي خرج بتصريحات قوية أمام لجنة القطاعات الاجتماعية بمجلس النواب معلنًا وقف الدعم الاستثماري الموجه للمصحات الخاصة بملايين الدراهم، عاد بعد أيام قليلة ليُقدّم رواية أخرى أقل حدة وأكثر غموضًا، في خطوة فسّرها مراقبون بأنها محاولة لامتصاص غضب لوبي المصحات الخاصة.
في عرضه الأول أمام البرلمان، شدد التهراوي على أن إيقاف الدعم يأتي ضمن “توجه استراتيجي يروم إعادة التوازن للمنظومة الصحية والحد من هيمنة القطاع الخاص على حساب المستشفيات العمومية”.
غير أن هذا الموقف لم يمر دون رد فعل حاد، إذ سارعت الجمعية الوطنية للمصحات الخاصة إلى التعبير عن استغرابها من تصريحات الوزير، مؤكدة في رسالة مفتوحة أن أيًّا من المصحات المنضوية تحت لوائها لم تستفد من أي دعم حكومي، لا في التجهيز ولا في التسيير، معتبرة أن كلام الوزير “يُحدث التباسًا لدى الرأي العام حول طبيعة العلاقة بين الدولة والقطاع الصحي الخاص”.
وبعد أيام من الجدل، عاد التهراوي ليُصحح — أو يخفف من وقع تصريحاته السابقة — موضحًا أن وزارته لم تُوقف الدعم بشكل مطلق، وإنما أوقفت دراسة عدد من الطلبات الاستثمارية المقدمة من طرف مصحات خاصة، في انتظار إعادة النظر في منهجية التحفيز العمومي.
وأوضح خلال لقاء خاص على القناة الثانية أن القرار لا يعني القطيعة مع القطاع الخاص، بل “إعادة تقييم أسس التحفيز في ضوء التحولات التي يشهدها القطاع عقب تعميم التغطية الصحية”.
وأضاف الوزير أن القطاع الخاص اليوم “يستفيد من ارتفاع الطلب على الخدمات الصحية بعد توسيع الحماية الاجتماعية، ما يمنحه قدرة استثمارية أكبر، ولا يحتاج بالضرورة إلى دعم مباشر”، مشيرًا إلى أن الدعم قد يُستثنى فقط في حالات الاستثمار بالمناطق النائية أو غير الجذابة.
لكن تصريحات التهراوي لم تقف عند هذا الحد، إذ وجه انتقادات مبطّنة للمصحات الخاصة التي قال إنها “تستقطب الموارد البشرية من المستشفيات العمومية، مما يُخل بتوازن المنظومة الصحية ويضعف أداء القطاع العام”، في اعتراف ضمني بأن الأزمة البنيوية في المنظومة الصحية لا تتعلق فقط بالتمويل، بل أيضًا بتوزيع الكفاءات.
وفي موازاة ذلك، كشف الوزير عن مشاريع إصلاحية أخرى، منها مراجعة التعريفة المرجعية الطبية بشراكة مع الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، إضافة إلى رقمنة ورقة العلاج ابتداءً من سنة 2026، في خطوة تهدف إلى تبسيط المساطر وتقليص العبء الإداري على المواطنين.
ورغم هذه الإعلانات، فإن مراقبين يرون أن الارتباك في الخطاب الرسمي يعكس غياب رؤية واضحة لإصلاح العلاقة بين القطاعين العام والخاص في المجال الصحي.
فبين تصريحٍ يوقف الدعم وآخر يبرره بـ”إعادة التقييم”، يبقى المواطن هو المتضرر الأكبر من غموض السياسات ومن استمرار الأعطاب الهيكلية التي تنخر القطاع.
تعليقات الزوار