لقجع يبرر والمال يتكلم.. الملاعب تُبنى من جيوب المغاربة والتلويح بـ”المؤامرة” لا ينهي سؤال “الجدوى”
هبة زووم – الرباط
لم تمر مداخلة فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، تحت قبة البرلمان مرور الكرام، حين تحدث بثقة لافتة عن أن تمويل مشاريع الملاعب المرتبطة بكأس العالم 2030 “لا يدخل ضمن الميزانية العامة للدولة”، وكأنّ ثلاثة مليارات درهم يمكن أن تُبنى في الفراغ أو تُستخرج من صندوق سري غير خاضع للمساءلة.
ففي الوقت الذي كان ينتظر فيه الرأي العام توضيحات دقيقة حول مصادر تمويل الملاعب والبنيات المرافقة، اختار لقجع أن يقدّم خطاباً مفعماً بالتبرير السياسي أكثر من الواقعية المالية، متحدثاً عن “استثمار استراتيجي” وعن “تمويلات موجهة للمكتب الوطني للسكك الحديدية”، دون أن يجيب على السؤال الجوهري: من أين تأتي هذه الأموال؟
إن القول بأن كلفة هذه المشاريع لا تدخل ضمن الميزانية العامة للدولة مغالطة مالية من حيث الجوهر، لأن أي درهم يُصرف من خزائن مؤسسات عمومية – سواء المكتب الوطني للسكك الحديدية أو الجماعات الترابية أو الصناديق الخاصة – يظل مالاً عمومياً يخضع للمحاسبة الوطنية، ويموّل في نهاية المطاف من جيوب المواطنين دافعي الضرائب.
الوزير حاول أن يمنح للتمويل بعداً “استثمارياً تنموياً” لتخفيف الضغط الشعبي المتصاعد حول كلفة التحضيرات للمونديال، لكنه تجاهل أن الشفافية المالية لا تقاس بالنوايا، بل بالمصادر والأرقام والتقارير المحاسبية.
فحين تُوجَّه مليارات الدراهم نحو ملاعب ضخمة ومشاريع ذات طابع رياضي، في بلد ما تزال مستشفياته ومدارسه تعاني من هشاشة مزمنة، فإن النقاش لا يمكن أن يكون حول “الجدوى المستقبلية”، بل حول الأولويات الحقيقية.
لقجع دافع عن نفسه قائلاً إن هذه المشاريع ليست مقتصرة على الرياضة بل تشمل الصحة والنقل والتعليم. غير أن هذا التبرير، وإن بدا منسجماً في الخطاب، يبقى منفصلاً عن الواقع: فالمشاريع التي تُعلن اليوم تحت عنوان “المونديال” تتجه في غالبيتها لتلميع صورة الحكومة على المستوى الدولي، أكثر مما تُسهم في تحسين شروط العيش للمواطنين على المستوى المحلي.
إن التذرع بـ“الغيرة الإقليمية” و“المؤامرات ضد المغرب” كما ورد على لسان لقجع، لا يمكن أن يحجب النقاش الحقيقي حول طبيعة التمويل العمومي وحق المواطن في معرفة كيف تُصرف أمواله، فالمحاسبة لا تُعد مسًّا بصورة الوطن، بل تجسيداً للوطنية الحقة في دولة تعلن التزامها بالشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
لقد آن الأوان لفتح نقاش وطني صريح حول تمويلات المشاريع الكبرى، بعيداً عن لغة “الاستثمار الاستراتيجي” التي تُستعمل أحياناً لتبرير صرف المال العام دون وضوح في المساطر.
فالمغاربة لا يعارضون بناء الملاعب أو استضافة كأس العالم، بل يعارضون الالتفاف الخطابي على الحقيقة المالية حين تُعرض وكأنها “منّة” لا تمس المال العمومي.
فما دام التمويل يخرج من مؤسسات الدولة، ويخضع لرقابة الحكومة والمجلس الأعلى للحسابات، فإن القول بأنه “لا يدخل ضمن الميزانية العامة” لا يغير شيئاً من الواقع: المال مال المغاربة، والمحاسبة حقهم.