سردية النجاح الزائف.. الوزير يونس السكوري وإخفاء فشل سوق الشغل المغربي خلف وهم إحصائي؟
هبة زووم – محمد أمين
في خضم جلسة برلمانية، وفيما كانت مؤشرات سوق الشغل ترسم صورة قاتمة، ألقى السيد يونس السكوري، وزير الإدماج الاقتصادي، برقم بدا وكأنه محاولة لتجميل الواقع: استحداث ما يقارب 39 ألف “فرصة عمل” خلال شهرين.
هذا التصريح، الذي قُدّم كإنجاز قطاعي، لا يصمد أمام التدقيق التحليلي، بل يكشف عن استراتيجية ممنهجة لتوظيف البيانات سياسياً، وبناء سردية نجاح زائفة في مواجهة فشل هيكلي تؤكده الأرقام الرسمية والاحتقان الاجتماعي الصامت.
إن جوهر المغالطة في هذا الخطاب يكمن في مصدر الرقم المعلن، وهو برنامج “التكوين عبر التدرج المهني”، فهذه الآلية، بطبيعتها، هي أداة لتسهيل الإدماج المهني وليست محركاً صافياً لخلق الوظائف، إنها عقود تدريبية مؤقتة، الفاعل الحقيقي فيها هو المقاولة الخاصة التي تبادر وتستثمر، بينما يبقى الدور الحكومي تنظيمياً بالأساس، إنها عملية “تأميم” رمزية لإنجازات القطاع الخاص، تهدف بوضوح إلى تقديم إجابات جاهزة في مواجهة أزمة حقيقية تتطلب حلولاً أعمق.
إن التحليل المعمق لهذه الأرقام يكشف عن حقيقة أكثر إثارة للقلق، فالقراءة التفصيلية لتوزيع المستفيدين تظهر أن نسبة كبيرة منهم تتركز في عدد محدود جداً من المقاولات الكبرى.
هذا التركز الشديد ينسف فكرة أن البرنامج يعكس انتعاشاً اقتصادياً واسعاً، ويحوله إلى آلية لتوفير يد عاملة منخفضة التكلفة للشركات الكبرى، دون معالجة حقيقية للبطالة الهيكلية أو دعم النسيج المقاولاتي الصغير والمتوسط.
كما أن هذا الخطاب التجميلي يتصادم بحدة أيضا مع واقع عنيد ترسمه بيانات المندوبية السامية للتخطيط في تقريرها عن الربع الأول من عام 2024، فالأرقام الرسمية تكشف أن معدل البطالة الوطني ارتفع إلى 13.7%، وأن بطالة الشباب (15-24 سنة) بلغت نسبة كارثية تقدر بـ 35.9%، أما في صفوف حاملي الشهادات العليا، فتقف النسبة عند 20.3%، فيما تقبع كتلة بشرية هائلة تقدر بـ 1.5 مليون شاب خارج أي مسار للتعليم أو العمل أو التكوين، إن هذه المؤشرات ليست مجرد إحصائيات، بل هي انعكاس لأزمة هيكلية يعيشها جيل كامل.
وإلى جانب الأرقام المقلقة، تتجلى مسؤولية الوزارة المباشرة في الشلل المؤسسي الذي أصاب ذراعها التنفيذية، الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات “أنابيك”، فترك هذه المؤسسة المحورية بلا مدير عام دائم منذ يونيو 2023، وتسييرها بالنيابة، ليس مجرد إخفاق إداري، بل هو قرار سياسي يقوض أي إمكانية لتنفيذ سياسة تشغيل فعالة في وقت تشتد فيه الحاجة إليها، كما أن البرامج التي سوّقت لها الحكومة كـ”قاطرة للحل”، مثل “أوراش” و”فرصة”، أظهرت محدودية أثرها البنيوي، وبقيت في فلسفتها حلولاً ظرفية ومؤقتة.
لكن المفارقة الأكثر دلالة تصل إلى ذروتها عند مقارنة احتفاء الوزير ببرامج تكوين ظرفية، مع أدائه في ملف التكوين المهني الهيكلي، فخارطة الطريق الجديدة لتطوير التكوين المهني، التي تم تقديمها أمام جلالة الملك في 4 أبريل 2019، تمثل قاطرة أساسية للتنمية ورؤية استراتيجية.
ورغم أن مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل (OFPPT) انخرط بكل طاقاته لتنزيل هذه الرؤية، خصوصاً عبر مشروع “مدن المهن والكفاءات”، فإن تقارير متطابقة تؤكد أن الوزارة الوصية بقيادة السكوري وضعت أمامه عراقيل إدارية وبيروقراطية بسبب تعنته ورفضه منح الموافقة اللازمة.
هذا التعطيل، بحسب المصادر ذاتها، استدعى تدخلاً مباشراً من رئيس الحكومة لفك هذه العراقيل وضمان تسريع وتيرة تنزيل هذا الورش الملكي الاستراتيجي الذي كان مهدداً بالتوقف.
في المحصلة، لا يكشف خطاب الوزير عن مجرد توظيف سياسي للأرقام، بل عن تناقض صارخ في الأولويات، فبدلاً من تسريع وتيرة إنجاز المشاريع الملكية الاستراتيجية القادرة على إحداث تحول بنيوي، يتم التركيز على تلميع الحصيلة ببيانات جزئية، بل والأخطر من ذلك، عرقلة هذه المشاريع إلى درجة تتطلب تدخلاً من أعلى سلطة في الحكومة.
إن هذا التناقض الصارخ بين الخطاب والفعل ليس مجرد انفصال عن الواقع، بل هو مؤشر على وجود خلل في الأداء الوزاري يضع المصالح السياسية الضيقة فوق الأولويات الوطنية الاستراتيجية التي ينتظرها شباب المغرب.