هبة زووم – الرباط
في تدوينة جديدة تضاف إلى سلسلة كتاباته النقدية التي تشخص بجرأة الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي بالمغرب، عاد الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي إلى تفكيك إحدى أكبر الإشكالات البنيوية التي رافقت “العهد الجديد”، واضعاً أصبعه على سؤال ظل يؤطر الجدل العمومي منذ سنوات: أيهما يسبق الآخر، الديمقراطية أم التنمية؟
اليحياوي، وبأسلوبه المباشر الذي يخرج النقاش من المجاملة إلى المواجهة الفكرية، اعتبر أن “القول الشائع بأن العهد الجديد راهن على التنمية وضحّى بالديمقراطية” لا يستقيم، لأن الحصيلة – حسب قوله – تكشف أننا لم نحقق لا تنمية مستدامة ومتوازنة ولا ديمقراطية سليمة قائمة على احترام إرادة الناس وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي قراءته الخاصة لهذا الجدل القديم-الجديد، شدد اليحياوي على أن الديمقراطية ليست مجرد نظام انتخابي أو تنافس حزبي شكلي، بل هي شرط موضوعي لأي مشروع تنموي ناجح.
فالتنمية، كما يقول، تحتاج إلى آليات رقابة، ومساحة للنقد، وتعدد في الرؤى والبرامج، وهو ما لا يتحقق إلا في ظل نظام ديمقراطي حقيقي يجعل الحاكم في خدمة المحكوم، “لا العكس”.
ويذهب الباحث إلى أبعد من ذلك، حين يؤكد أن الديمقراطية ليست فقط صراع برامج سياسية، بل هي أيضاً تدافع اقتصادي حول نوعية البرامج التنموية التي ينبغي تبنيها، فإذا أخفق برنامج معيّن، يُفسح المجال لبرنامج منافس، كما يحدث في الدول التي نجحت في الربط بين النمو الاقتصادي ودينامية التداول الديمقراطي.
في الجزء الأكثر حدة من تدوينته، تساءل اليحياوي: “هل تمت استشارتنا في الخيارات التنموية خلال الربع قرن الأخير؟”، ليجيب مباشرة: “أبداً”.
ويرى أن تغييب الديمقراطية أدى بالضرورة إلى إلغاء ثقافة الاستشارة، وإلى تدبير المشهد الاقتصادي بمنطق “برنامج واحد” تفرضه إرادة واحدة، لا تتغير ولا تتبدل، بغض النظر عن الحكومة أو الأحزاب المشاركة أو البرامج المعلن عنها في الحملات الانتخابية، فالكل – حسب تعبيره – يتسابق فقط على “أحسن منفذ للبرنامج نفسه”، وليس على ابتكار رؤية جديدة أو تصور بديل.
خلاصة تدوينة اليحياوي كانت صارخة: لقد خسر المغرب رهانه الديمقراطي، وهو اليوم يسلك “رهانات اقتصادية لا ندري إلى أين ستوصلنا”، في غياب تعاقد سياسي حقيقي، ومؤسسات مساءلة، وحياة حزبية مستقلة قادرة على إنتاج برامج، والدفاع عن خيارات، ومحاسبة الفاعلين.
وفي ظل هذا المشهد، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يمكن تحقيق تنمية فعلية في غياب ديمقراطية تضمن المشاركة والمحاسبة؟ أم أن البلاد ستستمر في الدوران داخل دائرة “البرنامج الواحد” الذي لا يُسأل واضعوه ولا يُحاسَب منفذوه؟
اليحياوي يجيب بوضوح: الديمقراطية ليست نتيجة التنمية… بل شرطها الأول.
تعليقات الزوار