الحسيمة.. جماعة تائهة ومجلس غائب وسط شلل تدبيري يكشف عمق الأزمة

حسن غربي – الحسيمة
تعيش جماعة الحسيمة واحدة من أكثر مراحلها قتامة في السنوات الأخيرة، بعدما تحولت المؤسسة المنتخبة إلى جهاز إداري مُنهَك، فاقد للفعالية، ومعزول تماماً عن انتظارات الساكنة. شللٌ شامل يضرب مفاصل التدبير المحلي، في وقت تعرف فيه البلاد دينامية غير مسبوقة نحو تطوير النموذج التنموي، بينما الحسيمة تقف خارج الزمن، وخارج السياق.
فالمكتب المسير يبدو غارقاً في حالة ارتباك مزمن، دون أي رؤية عمل واضحة، ولا قدرة على إدارة الملفات أو تقديم خدمات عمومية بالحد الأدنى من الجودة.
المواطنون يواجهون يومياً مظاهر الإهمال وسوء التنظيم، بينما المدينة تتراجع على كل المستويات، في تناقض صارخ مع التوجيهات الوطنية والخطابات الملكية التي جعلت من العدالة المجالية والحكامة المحلية ركيزتين للتنمية الترابية.
وهكذا، أصبحت الجماعة خارج ركب الإصلاح، مجمدة في مكانها، وكأنها معنية بدينامية معاكسة تماماً لما يحدث وطنياً.
ورغم أن الدولة تضخ إمكانيات مهمة في تحديث الجماعات، إلا أن مالية جماعة الحسيمة تُستنزَف في نفقات لا أثر لها على الواقع: دعم جمعيات بلا مردودية ومرتبطة في جزء منها بتبعية انتخابية، أعوان عرضيون أشباح لا يعرف أحد طبيعة مهامهم، استهلاك وقود يفوق الحركة الفعلية للجماعة التي لا تُسَيِّر أوراشاً ولا مشاريع، مع تعويضات وتنقلات بلا أنشطة حقيقية.
إنه شكل جديد من الريع المقنّع، يُستغل تحت لافتة التدبير المحلي، بينما المدينة تدفع ثمن هذا العبث يومياً.
ومن المفارقات الصارخة تعطل مرافق اجتماعية ورياضية أنجزت بتمويل عمومي كبير، مثل المركب السوسيو–رياضي، الذي ظل مغلقاً دون تفسير مقنع. مرافق كان يفترض أن تضخ الحيوية في المدينة، لكنها اليوم شاهدة على عجز جماعي، واتساع الهوة بين المسؤولية والواقع.
وانعكس هذا الفشل على جودة الحياة داخل المدينة، حيث أصبحنا نرى إنارة ضعيفة في عدد من الأحياء، فوضى عارمة بالأسواق، وغياب صيانة الطرق والمساحات العمومية.
إنها مظاهر تُنذر بتدهور مستمر، وتشكل عنواناً لفقدان الثقة في المؤسسة الجماعية، التي باتت جزءاً من المشكلة بدل أن تكون جزءاً من الحل.
ورغم أن تقرير المفتشية العامة للإدارة الترابية وقف على اختلالات خطيرة، فإن المجلس يتجنب مناقشته، في خرق واضح للقانون التنظيمي 113.14.
هذا التجاهل يثير تساؤلات ثقيلة: لماذا كل هذا الصمت؟ ولمصلحة من يُجمَّد التقرير؟ هنا أيضاً يصبح دور السلطة الوصية محورياً لإعادة الأمور إلى نصابها.
ويزيد المشهد قتامة الغياب شبه الدائم للرئيس، الذي اختار تدبير الجماعة “عن بُعد”، تاركاً المؤسسة في حالة تيه إداري. غياب لا يمكن التقليل من تأثيره، وهو ما يضع السلطة الوصية أمام مسؤوليتها القانونية لضمان السير العادي للمرفق العام.
الأحزاب المكوِّنة للأغلبية بدورها تتحمل نصيباً من المسؤولية، فالتأطير غائب، والمراقبة غائبة، بل إن بعض الأحزاب نفسها لا تعلم من يمثلها داخل المجلس. إنها أغلبية وُلدت مشتتة، وتستمر أكثر تشتتاً، لتساهم في تكريس العطالة.
وفي خطوة تثير الاستغراب، اختار الحزب الذي يقود الجماعة تنظيم مجلسه الوطني في الحسيمة تحت شعار: “دورة الوفاء… من الريف إلى الصحراء”.
لكن هذا الشعار يبدو أكبر من الواقع بكثير، أشبه بملصق لامع فوق جدار متصدع، لا يغيّر شيئاً من حقيقة أن المدينة نفسها لم تجد أثراً لهذا “الوفاء”، لا في شمالها ولا جنوبها… بل حتى قرب باب الجماعة.
فالحضور الحزبي كان احتفالياً، بينما المدينة تبحث عن من يسيرها، والمنتخبون لا يظهرون إلا في الصور الرسمية، في حين يظل الواقع مكشوفاً ومؤلماً.
إن حالة الشلل التي تعيشها جماعة الحسيمة اليوم بلغت مستوى لا يمكن السكوت عنه. فربط المسؤولية بالمحاسبة لم يعد خياراً سياسياً، بل ضرورة لحماية المال العام، وصون حقوق الساكنة، واستعادة الحد الأدنى من الثقة في المؤسسات المنتخبة.
وما لم يتم التدخل العاجل لإعادة الجماعة إلى مسارها الطبيعي، فإن المدينة مهددة بفقدان ما تبقى من مقومات التنمية، في ظل مجلس تائه، بلا بوصلة، وبلا قيادة، مدينة تبحث عن من يسيرها.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد