طنجة: مواعيد العلاج المؤجلة بمستشفى دوق دو طوفار بطنجة تفضح زيف إصلاحات وزارة الصحة

هبة زووم – طنجة
لم يعد الانتظار داخل المستشفيات العمومية مجرد تفصيل عابر في حياة المرضى، بل تحول إلى قدر يومي ينهك الأجساد ويستنزف الأعصاب، ويقوّض ما تبقى من ثقة المواطنين في المنظومة الصحية العمومية.
بمستشفى دوق دي طوفال، المعروف لدى ساكنة طنجة بـ“سوق البقر”، تتجسد هذه المأساة بأبشع صورها، حيث تتحول مواعيد العلاج إلى آجال مفتوحة، قد تمتد لأشهر، بل أحيانًا لسنوات، دون أي اعتبار لخطورة الحالات أو هشاشة المرضى.
في هذا المستشفى العريق، الذي كان يفترض أن يشكل ركيزة أساسية في العرض الصحي العمومي بالمدينة، يجد المرضى أنفسهم عالقين بين وصفة طبية مستعجلة وموعد علاجي مؤجل، وبين تشخيص واضح وغياب تام للحل. مرضى يعانون من آلام مزمنة، وآخرون في حاجة إلى تدخلات جراحية أو فحوصات دقيقة، يُطلب منهم “الصبر” كحل وحيد، وكأن الصبر بات جزءًا من البروتوكول العلاجي المعتمد.
ففي واقعة صادمة تعكس حجم الخلل داخل المنظومة الصحية العمومية، تلقى مريض في مستشفى دوق دي طوفال موعدًا للعلاج بعد أكثر من 9 أشهر، أي بتاريخ 17 شتنبر 2026، رغم حاجته الماسة والرعاية العاجلة. هذا التأجيل الطويل لا يمكن تفسيره إلا كخرق واضح لحقه الأساسي في العلاج، ويضع صحة المواطنين في صدارة الاهتمام بعد أن تحولت إلى آخر سلم الأولويات.
اللافت في ما يجري بمستشفى دوق دي طوفال ليس فقط طول آجال المواعيد، بل غياب أي تواصل واضح أو تفسير مقنع، المرضى لا يعلمون لماذا تؤجل مواعيدهم، ولا متى سيحين دورهم، ولا إن كان هذا الدور سيأتي أصلًا.
بعضهم يُمنح موعدًا بعد ستة أشهر أو أكثر، في تخصصات حساسة لا تحتمل التأجيل، فيما يُدفع آخرون، بشكل غير مباشر، نحو القطاع الخاص، حيث العلاج السريع مقابل كلفة لا يقدر عليها أغلبهم.
هنا، لا يمكن الحديث فقط عن ضغط الطلب أو قلة الموارد، لأن هذه الأعذار أصبحت جاهزة ومستهلكة، السؤال الحقيقي هو: لماذا يستمر نفس الخلل دون محاسبة؟ ولماذا تُترك صحة المواطنين رهينة اختلالات بنيوية يعرفها الجميع ولا يجرؤ أحد على معالجتها جذريًا؟
رغم الخطاب الرسمي المتكرر حول “إصلاح المنظومة الصحية” و“تعميم التغطية الصحية”، فإن واقع مستشفى دوق دي طوفال يكشف هوة سحيقة بين القول والفعل.
فأي إصلاح هذا الذي لا ينعكس على أبسط حقوق المواطن، وهو الحق في العلاج في وقت معقول؟ وأي تعميم للتغطية الصحية إذا كان المريض المؤمن يضطر إلى الانتظار المديد أو اللجوء إلى جيبه الخاص؟
الأدهى أن هذه الوضعية لم تعد استثناءً، بل أصبحت قاعدة في عدد من المستشفيات العمومية، ما يطرح علامات استفهام كبرى حول جدوى السياسات الصحية المتبعة، وحول مدى تحمل وزارة الصحة لمسؤولياتها في التتبع والمراقبة والتدخل عند الاقتضاء.
صحيح أن القطاع الصحي يعاني من خصاص في الموارد البشرية والتجهيزات، لكن ما يقع بمستشفى دوق دي طوفال يكشف أيضًا عن أزمة حكامة وتدبير.
مواعيد توزع دون رؤية واضحة، أولويات غير مضبوطة، غياب معايير شفافة في البرمجة، وانعدام آليات فعالة للتواصل مع المرتفقين. كل ذلك يجعل المستشفى فضاءً للارتباك بدل أن يكون فضاءً للعلاج.
إن استمرار هذا الوضع يكرس الإحساس بالحيف، ويغذي الشعور بأن المواطن البسيط لا قيمة له في سلم الأولويات، وأن صحته تأتي في آخر الاهتمامات، رغم كل الشعارات المرفوعة.
إلى متى سيظل مرضى طنجة ينتظرون دورهم في العلاج؟ وإلى متى ستبقى المواعيد المؤجلة عنوانًا لفشل السياسات الصحية؟ إن ما يحدث بمستشفى دوق دي طوفال لم يعد يحتمل التبرير أو الصمت، ويتطلب تدخلًا عاجلًا ومسؤولًا، ليس فقط لتحسين المواعيد، بل لإعادة الاعتبار للمرفق الصحي العمومي كحق دستوري، لا كامتياز مؤجل.
فصحة المواطنين لا يجب أن تكون متغيرًا ثانويًا في معادلات التدبير، ولا ورقة مهملة في أجندة الإصلاحات، لأن الانتظار، حين يتعلق بالعلاج، قد لا يكون مجرد تأخير بل حكمًا قاسيًا بعواقب لا تُحمد.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد