الدار البيضاء: مقبرة الغفران تُستباح والعمدة تفشل في حماية كرامة الموتى ولقفيش يدعو الوالي امهيدية للتدخل

هبة زووم – أحمد الفيلالي
تعيش مدينة الدار البيضاء واحدة من أكثر مفارقاتها إيلامًا، ليس في السكن أو النقل أو البنية التحتية، بل في كرامة الموتى.
فمقبرة الغفران، أكبر وأهم مقبرة في العاصمة الاقتصادية، تحولت اليوم إلى عنوان صارخ لفشل التدبير الجماعي، وصمت الجهات الوصية، وعجز واضح عن حماية حرمة مكان يفترض أن يكون خارج منطق الإهمال والمساومات.
ملف مقبرة الغفران لا يمكن اختزاله في إشكال عقاري أو نزاع تقني بين الجماعة ووزارة الأوقاف، بل هو سؤال مجتمعي وأخلاقي عميق: كيف نكرم موتانا؟ وكيف نحافظ على ذاكرتنا الجماعية؟ ولماذا تُترك أراضي الأوقاف، التي يفترض أن تكون رافعة للتنمية والتضامن، رهينة الجمود والتناقضات؟
في مقبرة الغفران، يتجسد هذا الفشل بأوضح صوره: جدران متآكلة، شواهد قبور مهدمة، مسالك ترابية تغيب عنها الصيانة، وقبور بلا هوية ولا حماية. المكان الذي يفترض أن يُجسد السكينة والاحترام، أصبح مأوى للمتشردين، ومطرحًا للنفايات، وفضاءً مفتوحًا لتنامي الكلاب الضالة، في مشهد صادم يجرح مشاعر الأسر ويُهين حرمة الموتى.
المواطن البيضاوي، حين يقصد المقبرة لزيارة قبر قريب أو وداع فقيد، لا يصطدم فقط بالحزن، بل بواقع مهين يطرح أسئلة محرجة: أين دور جماعة الدار البيضاء؟ وأين هي العمدة من مسؤوليتها الأخلاقية قبل الإدارية؟ وأين تذهب مداخيل الأوقاف؟ ولماذا تُقصى المقابر، رغم رمزيتها الدينية والإنسانية، من أولويات التدبير الحضري؟
في هذا السياق، خرج حسن لقفيش، عضو مجلس مدينة الدار البيضاء، عن صمت المؤسسة المنتخبة، ودق ناقوس الخطر خلال الدورة الاستثنائية للمجلس المنعقدة يوم الاثنين 29 دجنبر 2025، محذرًا من الوضع الكارثي الذي آلت إليه مقبرة الغفران، ومعتبرًا أن ما يقع لا يليق بمدينة بحجم الدار البيضاء ولا بكرامة ساكنتها أحياءً وأمواتًا.
لقفيش وجّه نداءً مباشرًا إلى محمد امهيدية، والي جهة الدار البيضاء–سطات، مطالبًا بتدخل فوري لإعادة الاعتبار للمقبرة، بعدما أصبح عدد كبير من البيضاويين مجبرين على دفن موتاهم في مقبرتي الرحمة وسيدي مسعود، هربًا من وضع لا يشرّف مدينة ولا مؤسسة منتخبة.
إن استمرار هذا الوضع لا يعكس فقط فشلًا في تدبير مرفق حساس، بل يكشف أزمة رؤية لدى المجلس الجماعي، الذي يبدو عاجزًا عن التوفيق بين قدسية الرمز وحاجيات الواقع، وبين إدارة دينية تفضل الصمت، وإدارة مدنية تكتفي بتبادل المسؤوليات.
مقبرة الغفران اليوم ليست مجرد أرض مهملة، بل مرآة قاسية لتدبير حضري يخذل حتى الموتى. والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح:
هل ستتحرك العمدة لتحمل مسؤوليتها الكاملة؟ أم أن كرامة الموتى ستظل ملفًا مؤجلًا، إلى أن يتحول الإهمال إلى فضيحة أكبر؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد