تقاعد جماعي يطرق أبواب الجماعات فهل تنجح وزارة الداخلية في إنقاذ الإدارة الترابية من الانهيار؟

هبة زووم – الرباط
تستعد وزارة الداخلية لإطلاق ورش إصلاحي جديد داخل الجماعات الترابية، عنوانه العريض تحديث تدبير الموارد البشرية وتعزيز الكفاءات التقنية والإدارية.
ورشٌ يُقدَّم باعتباره استجابة ضرورية لموجة تقاعد وشيكة ستجتاح الإدارة الترابية خلال السنوات الخمس المقبلة، لكنّه في العمق يفتح أكثر من علامة استفهام حول مدى جاهزية الدولة للانتقال من منطق “تدبير الخصاص” إلى منطق الإصلاح الحقيقي.
فالمعطيات الرسمية تتحدث عن مغادرة حوالي 28 ألف موظف جماعي لأسلاك الإدارة الترابية في أفق 2030، من أصل ما يقارب 78 ألف موظف، وهو رقم ضخم يكشف حجم النزيف الذي ستعرفه الجماعات، ويطرح سؤالًا جوهريًا: لماذا لم يتم استباق هذا الوضع منذ سنوات، مادامت آجال التقاعد معروفة ومؤطرة قانونًا؟ أم أن منطق ردّ الفعل لا يزال هو القاعدة في تدبير الشأن الترابي؟
وزارة الداخلية تؤكد أنها بصدد الانتقال من التوظيف التقليدي إلى مقاربة التدبير التوقعي للأعداد والكفاءات، عبر تشخيص شامل لوضعية الموارد البشرية وتحديد الحاجيات المستقبلية.
غير أن هذا الخطاب، رغم وجاهته نظريًا، يصطدم بواقع جماعات تعاني منذ سنوات من خصاص هيكلي، وضعف التأطير، وغياب كفاءات تقنية قادرة على تنزيل البرامج التنموية، وهو ما انعكس سلبًا على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
وتشير التقديرات الأولية إلى نية تعويض ما لا يقل عن 15 ألف موظف فقط من أصل 28 ألف مغادر، ما يعني عمليًا أن الجماعات ستدخل مرحلة “التدبير بنصف الموارد”، في وقت تتوسع فيه اختصاصاتها وتتزايد فيه انتظارات الساكنة.
فكيف يمكن الحديث عن تحسين الحكامة المحلية دون تعويض كامل للخصاص البشري؟ وأي منطق هذا الذي يراهن على تقليص عدد الموظفين بدل تأهيل الإدارة الترابية لتضطلع بأدوارها الجديدة؟
وتعوّل الوزارة، بالموازاة مع التوظيف، على تكوين نحو 10 آلاف تقني وتقني متخصص بين 2026 و2030، في مجالات حيوية كالهندسة المدنية، والمالية المحلية، وحفظ الصحة، والإعلاميات.
غير أن التجربة السابقة أبانت أن التكوين، في غياب بيئة عمل محفزة ونظام أساسي عادل، غالبًا ما يتحول إلى مجرد أرقام في التقارير، دون أثر ملموس على الأداء اليومي للجماعات.
وفي محاولة لامتصاص الانتقادات المتراكمة حول وضعية موظفي الجماعات، تلوّح وزارة الداخلية بإخراج نظام أساسي جديد، يقوم على المماثلة مع الوظيفة العمومية مع مراعاة خصوصية القطاع الترابي.
وهو وعدٌ طال انتظاره، لكن مساره التشريعي البطيء يثير الشكوك حول مدى الجدية في القطع مع سنوات من الهشاشة المهنية، وانسداد الآفاق، وعدم الاستقرار الإداري الذي لازم هذه الفئة.
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في تعويض المتقاعدين أو تنظيم مباريات توظيف، بل في إحداث قطيعة فعلية مع منطق الترقيع، وبناء إدارة ترابية قوية، جاذبة للكفاءات، وقادرة على مواكبة التحولات المتسارعة في تدبير الشأن المحلي.
فبدون ذلك، سيظل كل حديث عن الإصلاح مجرد شعارات مؤجلة، فيما تستمر الجماعات في الدوران داخل الحلقة المفرغة ذاتها.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد