الرشيدية: حين تتحول الانتخابات إلى إرث عائلي وتغدو الديمقراطية مجرد واجهة شكلية

هبة زووم – الرشيدية
على امتداد سنوات طويلة، لم تعد الانتخابات بإقليم الرشيدية لحظة تنافس ديمقراطي حقيقي بقدر ما تحولت إلى طقس موسمي مُعاد الإنتاج، تحكمه قواعد غير مكتوبة، وتديره عائلات معدودة تُمسك بخيوط المشهد السياسي من خلف الستار.
انتخابات تُحضَّر نتائجها سلفًا، وتُدار بمنطق “التحكم” لا “الاختيار”، حيث يغدو صوت المواطن تفصيلاً هامشيًا في معادلة تحسمها شبكة من المصالح والولاءات والريع السياسي.
الحديث عن الرشيدية ليس استثناءً داخل جهة درعة تافيلالت، بل هو نموذج صارخ لما آلت إليه السياسة المحلية حين تُفرغ من مضمونها وتُختزل في أسماء بعينها، تتناوب على المناصب وتُعيد إنتاج نفسها في كل استحقاق انتخابي، وكأن الإقليم ملكية خاصة لا مجال فيها للتداول أو التجديد.
عائلات معدودة، معروفة بالاسم والنفوذ، نجحت في تطبيع الريع الانتخابي وتحويله إلى قاعدة اشتغال، عبر التحكم في التزكيات، واللوائح، وحتى في “الكوطا” المخصصة للشباب والنساء، التي تحولت من آلية للإنصاف إلى باب خلفي لتوريث المواقع.
هذا الوضع لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة تراكمات طويلة من التغاضي، والصمت، والتواطؤ أحيانًا، حيث جرى الالتفاف على النصوص القانونية وروح الدستور، وتم توظيف المال والنفوذ والقبيلة لإقصاء كل صوت مستقل أو نزيه.
فأمام مرشحين مدعومين بشبكات المصالح، يجد الفاعلون الجدد والكفاءات الشابة أنفسهم خارج اللعبة، مهما كانت نزاهتهم أو برامجهم، لأن “القواعد” غير المعلنة لا تسمح بغير أبناء العائلات المحظوظة.
الأخطر من ذلك أن هذا الريع لم يعد يهدد فقط نزاهة الانتخابات، بل أصبح يضرب في العمق الثقة في العمل السياسي برمته، فحين يرى المواطن أن نفس الوجوه تتكرر، وأن النتائج معروفة مسبقًا، وأن الخطابات الانتخابية لا تتجاوز وعودًا جوفاء تُستعمل لاستغلال الهشاشة الاجتماعية والفقر البنيوي الذي يعانيه الإقليم، يصبح العزوف عن المشاركة رد فعل طبيعيًا، بل موقفًا احتجاجيًا صامتًا.
وفي مدن مثل الريصاني وأرفود، يتجلى هذا النموذج بشكل أكثر فجاجة، حيث يطغى الانتماء القبلي والعائلي على أي اعتبار سياسي أو برنامجي، في ظل دعم غير معلن من “صنّاع القرار الانتخابي”، الذين يغضّون الطرف عن هذه الممارسات ما دامت تضمن “الاستقرار” وتفادي المفاجآت.
استقرار زائف، ثمنه إفراغ الديمقراطية من معناها، وتحويل المجالس المنتخبة إلى فضاءات لتقاسم الغنائم بدل تدبير الشأن العام، فاستمرار هذا الوضع يعني شيئًا واحدًا: رهن مستقبل إقليم الرشيدية، بل والجهة بأكملها، لمنطق “أنا ومن بعدي الطوفان”.
منطق لا يرى في السياسة سوى وسيلة لقضاء المصالح الشخصية وتوريث المناصب، ولا يعترف بحق المجتمع في النخب الجديدة، ولا بضرورة ضخ دماء جديدة قادرة على مواجهة التحديات التنموية والاجتماعية الخانقة.
اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، يقف الإقليم أمام مفترق طرق حاسم، فإما القطع الجدي مع كل أشكال الريع السياسي والانتخابي، وتفعيل المقتضيات القانونية بروحها لا بنصها فقط، وفتح المجال أمام الكفاءات والطاقات الشابة، أو الاستمرار في إعادة إنتاج نفس الأعطاب، بنفس الوجوه، وبنفس النتائج الكارثية.
فالديمقراطية لا تُورَّث، والسياسة لا تُدار بالعائلات، ومن دون ذلك ستظل الرشيدية رهينة ماضٍ يرفض أن يغادر، ومستقبل يُسرق على مرأى الجميع.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد