هبة زووم – الرباط
ليس من باب المبالغة القول إن التحكيم المغربي يعيش واحدة من أعمق أزماته البنيوية منذ عقود، فالأزمة التي يعيشها القطاع لا تختزل في أخطاء تقنية، أو ضعف التكوين، أو محدودية الإمكانيات، بل في منطق أخطر وأكثر رسوخًا: منطق توريث النفوذ داخل منظومة يُفترض فيها الحياد والاستقلال.
في عهد ما يسميه كثيرون بـ”كبير الفراقشية”، لم يعد التحكيم مجرد جهاز لتطبيق القانون داخل الملاعب، بل تحول إلى فضاء مغلق، تدور فيه نفس الأسماء، وتُعاد إنتاجها بمنطق يشبه الإرث أكثر مما يشبه التداول أو الاستحقاق.
الاحتكار هنا لا يقتصر على المناصب، بل يشمل القرار نفسه، فتتكرر الأخطاء، ويتحول الفشل إلى “خبرة”، والجمود إلى “حكمة”، والنقد إلى “تشويش غير مرغوب فيه”.
المسألة تتجاوز أزمة الكفاءات لتصل إلى أزمة عدالة في توزيع الفرص. منظومة يُقاس فيها الصعود بالقرب من دوائر النفوذ أكثر مما يُقاس بالكفاءة أو الإنجاز، محكوم عليها بالدوران في حلقة مفرغة، مهما تغيرت الشعارات أو تبدلت الواجهات.
والنتيجة هي رسالة مدمرة لجيل كامل من الحكام الشباب: الاجتهاد لا يكفي، التكوين لا يضمن التقدم، الاستحقاق لا يفتح الأبواب، والطريق الأقصر دائمًا يمر عبر الاسم لا المسار.
وفي قلب هذا المشهد، يبرز اسم بعينه، ليس كشخص، بل كرمز لمرحلة طُبع فيها التحكيم بالدائرة المغلقة، حيث يصبح اللقب العائلي جواز مرور أقوى من أي تقييم موضوعي.
ولكن الأزمة تتفاقم بسبب صمت فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، الذي بقي متفرجًا بينما خرجت عدة إشارات للعلن تكشف الاختلالات، أبرزها استقالة بشرى كربوبي.
فاستقالة كربوبي كشفت عن هشاشة التحكيم وطبيعة شبكة الولاءات التي تتحكم في مسار الأسماء، لكن الجامعة بقيت صامتة، ولم تفتح أي تحقيق، مكتفية بذر الرماد في العيون.
هذا الصمت يعكس غياب أي إرادة حقيقية للإصلاح ويضاعف الاحتقان داخل الوسط الكروي، ويؤكد أن المسؤولية كاملة تقع على عاتق رئيس الجامعة.
إن التحكيم المغربي اليوم لا يمكن أن يستقيم إلا بإرادة شجاعة لإصلاح المنظومة، فتح تحقيق شامل، وإعادة بناء التحكيم على أسس الكفاءة، الاستحقاق، والعدالة، قبل أن تتحول الأزمة إلى إرث ثقيل لا يمكن إصلاحه بسهولة، ويصبح فقدان الثقة قاعدة ثابتة بين الجمهور والمنظومة الكروية.
تعليقات الزوار