هبة زووم – الرباط
في تدوينة لاذعة لا تخلو من عمق التحليل وجرأة المساءلة، وجّه الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي نقدًا صارمًا لطريقة تعاطي المسؤولين المغاربة مع موجة الفيضانات التي ضربت عدداً من أقاليم المملكة، من آسفي إلى الشمال والغرب، كاشفًا عن اختلال بنيوي في منطق تدبير الأزمات، وغياب مقلق للقرار السياسي في لحظة تستدعي أعلى درجات الحضور والمسؤولية.
اليحياوي لم يُخفِ استغرابه من غياب رئيس الحكومة ووزير الداخلية ميدانيًا عن المناطق المنكوبة، وعدم حتى التفكير في تصنيفها كمناطق منكوبة، في مقابل الاكتفاء بتفويض الأمر للولاة والعمال، بينما ظل مركز القرار في الرباط يراقب المشهد عن بعد، كما لو أن ما يجري مجرد نشرة جوية عابرة، لا أزمة وطنية حقيقية.
هذا الغياب، كما وصفه اليحياوي، ليس فقط سوء تقدير، بل سلوك مستهجن سياسيًا وأخلاقيًا، لأن الدولة، في بعدها الرمزي، تُقاس بحضورها في لحظات الشدة، لا في بيانات الناطقين الرسميين.
فهل كان سيحدث هذا البرود لو أن ما وقع هدد “الأمن” بدل أرواح المواطنين وممتلكاتهم؟ سؤال طرحه اليحياوي بوضوح، مذكّرًا بأن الدولة حين تشعر بأن سلطتها مهددة، لا تتردد في النزول بكل ثقلها، عدة وعتادًا.
ويرى المتحدث أن الحد الأدنى من المسؤولية السياسية كان يفرض تشكيل لجنة وزارية تقنية مصغرة، ترابط ميدانيًا بالمناطق المتضررة، تتابع تطورات الوضع ساعة بساعة، ليس فقط للتدبير، بل ليشعر المنكوبون – ولو رمزيًا – أن لهم حكومة ودولة لا تكتفي بقراءة البلاغات من المكاتب المكيفة.
غير أن الأخطر في هذا التعاطي، حسب اليحياوي، هو الهروب من لحظة المكاشفة، فبعد انحسار المياه، لا ينبغي الاكتفاء بشكر “لطف الله”، بل يجب فتح ملف المسؤوليات بجرأة: ما الذي تتحمل فيه الطبيعة مسؤوليتها؟ وأين تبدأ مسؤولية أولي الأمر؟
هل السدود، والبنيات التحتية، والتوسع العمراني العشوائي، ونظم تصريف المياه، تدخل ضمن قضاء وقدر الطبيعة؟ أم ضمن صلاحيات الدولة التي تملك سلطة القرار والإهمال معًا؟
الفيضانات، يضيف اليحياوي، لن تكون الأخيرة، لأن المناخ العالمي لم يعد كما كان، وما ينتظر قد يكون أعنف وأخطر، والاستمرار في نفس منطق التدبير – الترقيع بعد الكارثة بدل الوقاية قبلها – هو وصفة مؤكدة لإعادة إنتاج المأساة.
إن ما وقع في الشمال والغرب ليس فقط فيضانات، بل اختبار فشل سياسي في تدبير المخاطر، واختبار صدقية الخطاب الرسمي حول الدولة الاجتماعية، والحماية، والاستباق، فالدولة التي لا تحضر حين يغرق مواطنوها، تحضر متأخرة إن حضرت.
تعليقات الزوار