ماذا بعد 53 دورة؟ التنمية البشرية بالمحمدية بين خطاب متفائل وأسئلة مؤجلة حول الأثر الحقيقي للمشاريع

هبة زووم – المحمدية
احتضنت عمالة المحمدية أشغال الدورة الثالثة والخمسين للجنة الإقليمية للتنمية البشرية، في سياق يُفترض أن يكون محطة لتقييم حصيلة برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، والوقوف على مدى نجاعتها في تحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية بالإقليم.
غير أن مثل هذه اللقاءات، رغم انتظامها، تطرح اليوم أكثر من علامة استفهام حول الفجوة المتزايدة بين الخطاب الرسمي والواقع الملموس الذي تعيشه فئات واسعة من الساكنة.
لا يختلف اثنان اليوم حول الأهمية المبدئية للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية باعتبارها ورشًا ملكيًا استراتيجيًا يهدف إلى محاربة الهشاشة وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه مع كل دورة جديدة هو: إلى أي حد تُترجم هذه الاجتماعات إلى أثر حقيقي على الأرض؟
فالمحمدية، رغم موقعها الاستراتيجي وإمكاناتها، ما تزال تعاني اختلالات واضحة في مجالات اجتماعية أساسية، من قبيل التشغيل، وضعية بعض الأحياء الهامشية، محدودية فرص الإدماج الاقتصادي للشباب، واستمرار هشاشة فئات يفترض أنها في صلب برامج المبادرة.
ففي دردشة أجريت على هامش اللقاء مع عامل عمالة المحمدية، السيد عادل المالكي، جرى التأكيد على أهمية العمل التشاركي بين مختلف المتدخلين، وعلى ضرورة تنزيل مشاريع تستجيب لانتظارات الساكنة، خصوصًا في مجالات البنيات التحتية، ودعم الفئات الهشة، وتشجيع المبادرات المدرة للدخل.
غير أن هذا الخطاب، الذي يتكرر في أغلب اللقاءات الرسمية، يظل في حاجة إلى مؤشرات دقيقة وشفافة تبرز حجم الاستفادة، وجودة المشاريع، واستدامتها، بدل الاكتفاء بعناوين عامة تفتقر في كثير من الأحيان إلى التقييم النقدي الصريح.
وصف المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بكونها “رافعة أساسية لتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية” ينسجم مع التوجيهات الملكية السامية، لكنه في المقابل يحمّل المسؤولين الترابيين مسؤولية أخلاقية ومؤسساتية في ضمان عدم تحول هذا الورش إلى مجرد إطار بروتوكولي لتوقيع المشاريع، دون تتبع صارم لنجاعتها وتأثيرها الاجتماعي.
فعدد من المبادرات المدرة للدخل، على سبيل المثال، تظل محدودة الأثر، إما بسبب ضعف المواكبة، أو غياب التكوين، أو سوء اختيار المستفيدين، ما يجعل سؤال الحكامة حاضرًا بقوة في تقييم حصيلة هذه البرامج.
مدينة المحمدية اليوم لا تحتاج فقط إلى الإعلان عن مشاريع جديدة، بل إلى إعادة تقييم شجاعة لما أُنجز فعليًا: من استفاد؟ ما الذي تغيّر في حياة الفئات الهشة؟ هل تقلّصت الفوارق الاجتماعية؟ أم أننا ما زلنا ندور في حلقة التخطيط والاجتماعات؟ والساكنة لم تعد تكتفي بخطاب النوايا، بل تنتظر نتائج ملموسة تُقاس بالأثر، لا بعدد الدورات أو البلاغات الرسمية.
إن انعقاد الدورة الثالثة والخمسين للجنة الإقليمية للتنمية البشرية بالمحمدية يشكل فرصة حقيقية لمراجعة المسار، شريطة أن يُرفق ذلك بنقد ذاتي مؤسساتي، وتقييم موضوعي للمنجزات والإخفاقات معًا.
فالتنمية، في نهاية المطاف، لا تُقاس بعدد اللقاءات، بل بمدى قدرتها على تحسين حياة الناس، ورد الاعتبار للفئات الهشة، وتحويل البرامج من شعارات إلى واقع ملموس.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد