اليحياوي: حين تتحول الفيضانات بالغرب المنسي إلى “موسم ريع” في ظل تدبير مرتبك

هبة زووم – الرباط
يواصل الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي تفكيك أعطاب “الغرب المنسي”، كاشفًا في تدوينة رصينة جانبًا مظلمًا من طريقة تدبير نكبة الفيضانات الأخيرة التي ضربت عددًا من مناطق المغرب، في سياق يطرح أسئلة محرجة حول حكامة الدعم الموجه للفلاحين المتضررين، ومسؤولية حكومة أخنوش في ضمان العدالة والإنصاف.
وينقل اليحياوي شهادة صادمة لأحد الكسابة من عمق المنطقة، تلخص حجم الاختلال بوضوح جارح: “ليس ثمة معيار لتوزيع إعانات العلف… لدي أربعون رأسًا من الغنم و14 بقرة، وفرس وحصان، ولم أحصل إلا على كيس واحد من الشعير، بينما رجل لا يملك سوى حمار واحد حصل على عشرة أكياس”.
شهادة لا تتوقف عند غياب المعايير، بل تذهب أبعد من ذلك، حين يتحدث الرجل عن شاحنات تأتي “في غسق الليل”، تُحمّل العلف وترحل، ما يفتح الباب واسعًا أمام فرضية تسرب الدعم إلى قنوات غير مشروعة، وتحويل الإعانات من وسيلة إنقاذ إلى مورد للمضاربة.
ما تكشفه هذه الشهادة، وفق قراءة اليحياوي، ليس حالة معزولة أو سوء تدبير عابر، بل نمط متكرر يعرفه كسابة المنطقة “بالاسم والصفة”، حيث لا يظهر بعض المتدخلين إلا في زمن النكبات، فحين تحل الفيضانات أو يشتد الجفاف، تتحول الكارثة، بالنسبة لهؤلاء، إلى فرصة، ويغدو الدعم العمومي غنيمة لا حقًا اجتماعيًا.
ويطرح هذا الواقع سؤالًا جوهريًا: هل وُجّه العلف فعلًا للمنكوبين أم للسماسرة؟ وأين هي لوائح الاستفادة؟ ومن يراقب مسار الشاحنات وكميات الشعير الموزعة؟ ثم أين تتجلى آليات التتبع والمحاسبة التي يُفترض أن ترافق كل تدخل استثنائي ممول من المال العام؟
يضع اليحياوي ما يجري في الغرب المنسي ضمن سياق أوسع من الإهمال البنيوي، حيث تتكرر المآسي بأشكال مختلفة، بينما تبقى آليات التدبير نفسها: ارتجال، غياب شفافية، وحضور مناسباتي للسلطات لا يرقى إلى مستوى الاستجابة الفعلية، فالفيضانات، كما الجفاف، ليست حدثًا طارئًا في هذه المناطق، بل ظواهر دورية تستدعي سياسات استباقية، لا حلولًا ترقيعية تُفتح معها شهية الريع.
في الوقت الذي يرفع فيه الخطاب الرسمي شعارات “الدولة الاجتماعية” ودعم الفلاح الصغير، تكشف الوقائع الميدانية فجوة مقلقة بين المعلن والمُنجز.
فجوة لا تُقاس فقط بعدد أكياس الشعير، بل بمدى إحساس المواطن المتضرر بوجود دولة تحميه في زمن الشدة، لا تتركه فريسة للوسطاء ومنطق الزبونية.
ويخلص متابعون إلى أن ما يحتاجه الغرب المنسي اليوم ليس مجرد قوافل دعم ظرفية، بل حكامة صارمة، معايير واضحة، ونشر لوائح الاستفادة، وربط حقيقي للمسؤولية بالمحاسبة، حتى لا تتحول كل كارثة طبيعية إلى مناسبة جديدة لإعادة إنتاج الظلم نفسه.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد