بين الأمن والتنمية.. اليحياوي يدق ناقوس المحاسبة ويفضح اختلالات تدبير الكوارث

هبة زووم – الرباط
في قراءته العميقة لتداعيات الفيضانات التي ضربت ما سماه بـ“الغرب المنسي”، يواصل الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي تفكيك خطاب الدولة وممارسة السلطة، منتقلاً من توصيف الكارثة إلى مساءلة ما بعدها، حيث يرى أن الخطر الحقيقي لا يكمن في لحظة الفيضان ذاتها، بل في طريقة تدبير مرحلة ما بعد النكبة.
فبالنسبة لليحياوي، قد تكون الفيضانات قد انحسرت ميدانياً، لكن آثارها الاجتماعية والاقتصادية لا تزال قائمة، بل وتتعمق، خصوصاً لدى الفئات التي فقدت مساكنها ومزروعاتها وماشيتها، وباتت معلقة بين وعود دعم غير كافٍ، وتأخر إداري يضاعف حجم الخسارة، ورهان هش على إنقاذ الموسم الربيعي لتعويض ما جرفته المياه.
ويؤكد الباحث أن لحظة ما بعد الكارثة يجب أن تشكل منطلقاً للمحاسبة، لا مناسبة للنسيان أو طيّ الصفحة. فـ“المفيد”، بحسب تعبيره، هو الشروع الفوري في تحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات، عبر رصد نقاط التقصير التي قد تكون بالعشرات، بدءاً من تدبير السدود، مروراً بسياسات التعمير العشوائي، وصولاً إلى التواطؤ الصريح أو الضمني مع البناء على ضفاف الأودية ومناطق الخطر.
في هذا السياق، يتوقف اليحياوي عند خطاب وزارة الداخلية، التي أعلنت عن اعتماد مخططات استباقية لمواجهة الكوارث الطبيعية، معترفة في الآن ذاته بتجاوز منطق “التدبير اليومي باليومي”.
غير أن هذا الاعتراف، في نظر اليحياوي، لا يعكس تحولاً حقيقياً في الفلسفة التدبيرية، بقدر ما يكشف عن تقصير مزمن داخل جهاز إداري “يغلي بالبشر” مركزياً وجهوياً، لكنه يشتغل بمنطق أمني ضيق، بعيد عن متطلبات التنمية القريبة من حاجيات المواطنين.
ويذهب اليحياوي أبعد من ذلك، معتبراً أن جوهر الإشكال يكمن في “مسلمة” غير معلنة تحكم القرار العمومي، مفادها: إذا تعارض الأمن مع متطلبات التنمية، فلتذهب التنمية إلى الجحيم.
وهي مقاربة يرى أنها تجعل من الوقاية والاستباق مجرد شعارات، وتحوّل الكوارث الطبيعية إلى أزمات اجتماعية مركبة بسبب غياب العدالة المجالية وسوء التخطيط.
إن نقد اليحياوي لا يستهدف حادثة بعينها بقدر ما يضع النموذج التدبيري برمته موضع مساءلة، داعياً إلى قطيعة حقيقية مع منطق ردّ الفعل، وإلى تبني رؤية تجعل من حماية الإنسان ومصالحه محور السياسات العمومية، لا مجرد متغير ثانوي في معادلة يغلب عليها الهاجس الأمني.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد