كلميم: بين فسخ “أوزون” ووعود الشركة الجديدة مصير عمال النظافة رهينة التجاذبات

هبة زووم – كلميم
لم تعد معادلة “النظافة مقابل الكرامة” صالحة في مدينة كلميم، فبينما يكدح عمال النظافة يومياً للحفاظ على صحة المدينة وجمالها، يجدون أنفسهم اليوم أمام جدار مسدود: أجور متعثرة، ووعود مؤجلة، وحقوق مُعلّقة في مهب البيروقراطية والمماطلة.
اليوم، لم يعد العمال يكتفون بالشكوى، بل يلوحون بخيار التصعيد، والسبب بسيط ومُر في آن واحد: حقهم في أجر عادل وفي وقتها أصبح “رفاهية” لا تُمنح إلا بعد معارك.
فبعد فسخ العقد مع شركة “أوزون” المكلفة سابقاً بقطاع النظافة، وجد عمال النظافة أنفسهم في منطقة رمادية: الشركة القديمة رحلت، والجديدة لم تستقر بعد، والجماعة تنأى بنفسها عن المسؤولية، والنتيجة؟ أجر النصف الأول من شهر أكتوبر 2025 لم يُصرف بعد.
هنا يطرح السؤال بقوة: من المسؤول عن ضمان حق العامل في هذه المرحلة الانتقالية؟ هل تتحمل الجماعة المحلية تبعات فسخ العقد مع الشركة السابقة؟ أم أن العامل أصبح “سلعة” تنتقل من يد إلى يد، بينما حقه في الأجر يُنسى في الزحام؟
إن تنصل الجماعة من واجبها في صرف الأجور تحت ذريعة “الفسخ الإداري” هو تنصل من مسؤولية أخلاقية وقانونية في آن واحد، فالعامل لا يفهم لغة العقود والإجراءات؛ هو يفهم لغة لقمة العيش التي تأخرت.
الأمر لا يتوقف عند الأجور المتأخرة، فحتى الزيادة المتفق عليها في إطار اتفاق 29 أبريل بين النقابات والحكومة – والبالغة 5% والمفترض تنفيذها في يناير 2026 – تجد نفسها عالقة في متاهة جديدة: الشركة الجديدة تتماطل في التنفيذ.
هنا نصل إلى مفارقة مؤلمة: اتفاق وطني يُوقع بين أطراف رسمية، ويُعلن عنه في وسائل الإعلام، ثم يتبخر عندما يصل إلى مستوى التطبيق المحلي، فهل أصبحت الاتفاقيات الوطنية مجرد “حبر على ورق” عندما تصطدم بمصالح الشركات المحلية؟
في خضم هذا التجاذب بين الجماعة والشركة الجديدة والنقابات، يبقى العامل هو الضحية الوحيدة التي لا صوت له، وهو ما يطرح إشكالية أعمق: أين هي آليات المراقبة والمحاسبة التي تضمن تنفيذ الحقوق؟ هل تكتفي النقابات بإصدار البلاغات دون خطة تصعيد ميداني فعالة؟ هل تلتزم الشركة الجديدة بالاتفاقيات الوطنية أم أن “الربح” هو معيارها الوحيد؟ وهل ستتحمل الجماعة مسؤوليتها كجهة وصية على المرفق العام، أم أن “الخصخصة” أصبحت ذريعة للتخلي عن الواجب؟
فعندما يهدد عمال النظافة بالتصعيد، فلا ينبغي فهم ذلك على أنه “تخريب” أو “فوضى”، بل هو صرخة يأس من نظام يُنتج الحقوق ثم يمنع وصولها إلى أصحابها.
فالتصعيد في هذه الحالة ليس خياراً، بل هو حق مشروع للدفاع عن الكرامة، وإذا وصلت الأمور إلى وقف العمل أو الاحتجاج في الشارع، فلن يكون المسؤول عن ذلك إلا من دفع العمال إلى هذا الخيار.
في النهاية، تبقى الرسالة واضحة للجميع، للجماعة: النظافة مسؤولية، وضمان أجر العامل جزء لا يتجزأ من هذه المسؤولية، وللشركة الجديدة: الربح لا يُبنى على ظهر العامل، والاتفاقيات الوطنية ليست “خياراً” بل التزاماً، وللنقابات: الدفاع عن الحقوق يحتاج إلى فعل ميداني، لا فقط بيانات صحفية.
وإذا استمر هذا الوضع، فلن تكون كلمة “كلميم” تعني فقط “بوابة الصحراء”، بل قد تصبح رمزاً لـ”بوابة إهدار الحقوق”، فإما كرامة العامل اليوم وإما تصعيد يغلق المدينة غداً، والخيار بين يدي من يملك القرار.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد