هبة زووم – الدار البيضاء
مع حلول شهر رمضان، لا تتحول قيسارية حي الفلاح بمدينة الدار البيضاء إلى فضاء تجاري نابض بالحياة فقط، بل إلى مشهد فوضوي مكتمل الأركان، تختلط فيه العشوائية بالاكتظاظ، ويُختزل فيه الشارع العام إلى سوق مفتوح بلا ضوابط، يدفع ثمنه المواطن البسيط يومياً.
ما كان يُفترض أن يكون موسماً استثنائياً للروحانية والتكافل، أصبح بالنسبة لساكنة الحي كابوساً حقيقياً، الأرصفة محتلة بالكامل، الطرقات مختنقة، والراجلون – خاصة الأطفال وكبار السن – مُجبرون على اقتحام مسالك السيارات في ظروف تهدد السلامة الجسدية، وسط غياب شبه تام لأي تنظيم فعلي.
الازدحام الخانق لا يمكن اختزاله فقط في الإقبال الكبير على التسوق، بل هو نتيجة مباشرة لاحتلال ممنهج للملك العمومي، تُغذّيه ممارسات تجارية غير خاضعة للرقابة، وعادات استهلاكية تُستغل دون رحمة.
فمع كل رمضان، تُنصب “الأسواق المؤقتة” وكأنها واقع دائم، ويُفرض منطق الأمر الواقع على الساكنة، دون أي اعتبار لحقهم في فضاء عمومي منظم وآمن.
الأخطر من ذلك، أن بعض التجار لا يترددون في استغلال الظرفية لرفع الأسعار بشكل فاحش، مستفيدين من ضعف المراقبة، وتشتت لجان التفتيش، وصعوبة ضبط جميع نقاط البيع، وهكذا تتحول الحاجة الرمضانية إلى فرصة للربح السريع، على حساب القدرة الشرائية لأسر تعاني أصلاً من الغلاء وتآكل الدخل.
ورغم تكرار هذا المشهد كل سنة، يظل السؤال مطروحاً بإلحاح: أين دور السلطات المحلية؟ وأين هي المقاربة الاستباقية التي تمنع احتلال الملك العمومي بدل الاكتفاء بتدخلات موسمية سرعان ما تتبخر؟ ولماذا يُترك المواطن وحيداً في مواجهة فوضى تزداد حدة تحت ذريعة “خصوصية رمضان”؟
إن تحميل المستهلك وحده مسؤولية التنظيم الذاتي، رغم أهميته، لا يُعفي الدولة من واجبها في فرض القانون، وحماية الفضاء العام، وضمان عدالة السوق.
فرمضان لا يجب أن يكون موسماً للفوضى، ولا مبرراً لتعليق القانون، بل فرصة لإثبات أن النظام والكرامة يمكن أن يسيرا جنباً إلى جنب مع الطقوس والعادات.
فإما تدخل حازم يُعيد الاعتبار للملك العمومي، ويضبط السوق، ويحمي الفئات الهشة، وإما استمرار في سياسة التغاضي التي تجعل من أحياء كاملة رهينة للفوضى الموسمية، والنتيجة واحدة: رمضان يفقد معناه، والشارع يفقد نظامه، والمواطن يفقد ثقته.
تعليقات الزوار