هبة زووم – أحمد الفيلالي
لا غرابة أن تحرف السياسة بمجلس جهة الدار البيضاء-سطات عن معناها النبيل، ولا تقيم اعتباراً لأي مبدأ، وأن تختزل في تحقيق مصالح خاصة لمستشارين وأحزاب سياسية.
ولكن الغرابة كل الغرابة أن يختزل فهم “السياسة” لدى هؤلاء المستشارين بأنها “رخصة” تُبرر النفاق، والتقلبات الأيديولوجية، والازدواجية في المواقف! هنا تتحول السياسة من أداة لتدبير شؤون المواطنين إلى “آلة” لتبرير الخداع، والفساد، والفشل، تحت شعارات فارغة وبائسة. وتلك هي، باختصار، مأساة جهة الدار البيضاء-سطات مع نخب سياسية باتت وظيفتها الرئيسية “تلميع” تناقضات مواقفهم وتكتلاتهم التي تدور حيثما دارت مصالحهم الخاصة، وليس المصلحة العامة.
لا شك أن مصطلح “الحريرة” يستعمله المغاربة في كثير من المواقف الساخرة والمعبرة عن وضع متردٍ، كما يستعملونه للدلالة على الشوربة المفضلة في شهر رمضان، لكن “حريرة” عبد اللطيف معزوز، رئيس مجلس جهة الدار البيضاء-سطات، قصتها مختلفة تماماً عن جميع أشكال وأنواع “الحريرات” المعروفة عند البيضاويين.
فبينما تُطبخ الحريرة التقليدية بمكونات متناغمة، تبدو “حريرة” معزوز السياسية خليطاً متنافراً من انتهازية سياسية تبرر التقلب بين المواقف حسب “اتجاه الريح”، تحالفات هشة بين أحزاب “الأحرار” و”البام” و”الاستقلال” و”الاتحاد الدستوري”، تجمعها “المحاصصة” لا “الرؤية”، بلطجة مؤسسية تُستخدم لإسكات الأصوات الناقدة وفرض “الإجماع” بالقوة، وشعارات جوفاء عن “الإصلاح” و”التنمية” لا تجد طريقها إلى التنفيذ.
والسؤال الجوهري: كيف يمكن لمثل هذا “الطبق السياسي” أن يُنتج تنمية حقيقية؟ وأي “مجلس جهة” هذا الذي يتحول إلى “مطبخ للتناقضات” بدلاً من “فضاء للتدبير الرشيد”؟
في واحدة من أكثر اللحظات إحراجاً للرئيس عبد اللطيف معزوز، نجح المستشار شفيق في كشف التناقضات الداخلية لـ”التحالف الثلاثي” الذي يُفترض أنه يضمن استقرار تدبير الجهة، فبينما تُروج الأغلبية لـ”وحدة الصف” و”التكامل الحزبي”، جاءت المداخلات النقدية لتُظهر أن هذا “التحالف” ليس سوى “تحالف مصالح لحظية”، ينهار عند أول اختبار حقيقي.
هذا “الإحراج العلني” لا يُضعف فقط صورة الرئيس، بل يُعيد طرح سؤال مصيري: كيف يمكن لمجلس جهة أن يُدبر شؤون ملايين السكان بينما هو عاجز عن تدبير خلافات مكوناته الداخلية؟
اليوم لم تعد الخلافات داخل مجلس جهة الدار البيضاء-سطات تُدار بـ”آليات الحوار” و”ثقافة الاختلاف”، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى “بلطجة مؤسسية” تهدف إلى إسكات المعارضين وفرض “الرأي الواحد” بالقوة.
هذا التحول الخطير لا يُهدد فقط “الديمقراطية الداخلية” للمجلس، بل يُرسل رسالة مسمومة للمواطنين مفادها: “لا صوت يعلو فوق صوت الأغلبية”، حتى لو كانت هذه “الأغلبية” قائمة على “محاصصة” لا على “كفاءة”.
والسؤال المحرج هنا: أين هي “حماية الأقلية” في التدبير الجهوي؟ وأي “حكمة” هذه التي تسمح بـ”ترهيب المستشارين” بدلاً من “إقناعهم”؟
لاحظت ساكنة العاصمة الاقتصادية العشوائية التي تطال أشغال تسيير الجهة، وسجلت غياب أدنى روح مسؤولية من لدن المجلس المنتخب أو من المُفَوَّض لهم تتبع السير العادي لمصالح المواطنين.
فبينما يُفترض أن يكون المجلس “صوت المواطن” و”يد التنمية”، يبدو أنه تحول إلى “ساحة لصراعات الحزبيات”، حيث تُقدَّم “المكاسب السياسية الضيقة” على “حاجات السكان الملحة”.
والسؤال الأكثر إيلاماً: إلى متى سيظل المواطن البيضاوي “ضحية” لصراعات النخب؟ وأي “تنمية” هذه التي تُعلن في الخطابات وتُؤجل في الممارسة؟
ويختم المواطنون البسطاء نقدهم اللاذع بعبارة شعبية عميقة الدلالة: “حريرتكم حريرة”، في إشارة ساخرة إلى أن “طبق السياسة” الذي يُقدمه المجلس لا يختلف عن “شوربة” لا تُشبع جوعاً، ولا تُداوي داءً.
هذه العبارة، وإن بدت بسيطة، تحمل في طياتها اتهاماً قاسياً: أن سياسة الجهة أصبحت “طبقاً ساخناً” يُقدم للمواطنين في كل موسم انتخابي، لكنه يظل فارغاً من “المضمون التنموي” الحقيقي.
والسؤال الاستراتيجي: متى تتحول “الحريرة السياسية” إلى “وجبة تنموية” مُشبعة؟ وأي “نخبة” هذه التي تُقدم “الشعارات” على “الإنجازات”؟
لم يعد مقبولاً اليوم أن تُدار جهة بحجم الدار البيضاء-سطات بـ”عقلية المحاصصة” و”منطق البلطجة”، ما يحتاجه المواطنون اليوم هو: مراجعة شاملة لآليات التدبير الداخلي للمجلس، لضمان حرية التعبير وحماية الأقلية من “الترهيب”، شفافية كاملة في توزيع المسؤوليات والمشاريع، مع اعتماد معايير الكفاءة لا “الولاء الحزبي”، إشراك فعلي للمجتمع المدني في مراقبة أداء المجلس، وضمان محاسبة المقصرين، تعزيز ثقافة “الاختلاف الديمقراطي”، حيث يُحترم الرأي الآخر ويُناقش بالحجة لا بـ”البلطجة”، مع محاسبة كل من يثبت تورطه في عرقلة التنمية أو تضييع المال العام، لضمان ردع حقيقي.
ما تعيشه جهة الدار البيضاء-سطات ليس “أزمة ظرفية”، بل هو اختبار وجودي لمصداقية التدبير الجهوي وقدرة المسؤولين على تجاوز “عقلية المحاصصة” لخدمة المصلحة العامة.
فإما أن تتحرك قيادة المجلس، وعلى رأسها عبد اللطيف معزوز، بجدية لتصحيح المسار، وضمان كفاءة التدبير، ومحاسبة المقصرين، وإما أن تستمر “ثقافة الحريرة” التي تُغرق الجهة في “بحر التناقضات” وتُهدر ثقة المواطنين في مؤسساتهم.
تعليقات الزوار