الجديدة: العامل صالح دحا رهينة “لوبي المنتخبين” وأي إصلاح هذا الذي يبدأ بـ”المحاصصة”؟

هبة زووم – أحمد الفيلالي
في ظل المستجدات السياسية الراهنة بإقليم الجديدة، يبرز مثل شعبي مغربي قديم بحدة لافتة: “ما تبدل صاحبك غير بما أضعف”، ليُجسّد نظرة متشائمة حول التغييرات التي تطال المناصب الحساسة، مفادها أن التعديلات الإدارية غالباً ما تأتي نتيجة محاباة مفضوحة، لا تؤدي إلى تحسين حقيقي بقدر ما تخلق حالة من البلبلة، وتُفاقم العوائق بدلًا من حلها.
واليوم، يبدو أن هذا المثل يجد صدى مؤلماً في المشهد الدكالي، حيث تشهد بعض القطاعات تغييرات على مستوى المسؤولين، بما في ذلك العامل صالح دحا، في مشهد يطرح سؤالاً وجودياً: هل نواجه “إصلاحاً حقيقياً” أم مجرد “تدوير للأسماء” ضمن نفس منطق المحسوبية والولاءات الضيقة؟
لا يحتاج المرء اليوم إلى خبير في التدبير الترابي ليفهم خطورة تحول العامل، الذي يفترض أن يكون “حَكَمًا محايدًا” و”حامياً للمصلحة العامة”، إلى رهينة في يد لوبي من المنتخبين يتحكم في القرارات ويوجه السياسات وفق “حسابات ضيقة” لا علاقة لها بالتنمية الحقيقية.
فإقليم الجديدة، الذي يتمتع بمؤهلات اقتصادية وسياحية وبشرية هائلة، لا يحتاج إلى تغييرات شكلية أو “مصلحية” في المناصب فحسب، بل إلى قطيعة حقيقية مع الممارسات التي تجعل هذه المناصب رهينة للمحسوبية، حيث يتم إجلاء الكفاءات الحقيقية لصالح “موالين” يُختارون لـ”ولائهم” لا لـ”كفاءتهم”.
والسؤال الجوهري: كيف يمكن لعامل أن يُنجز إصلاحاً بينما هو مقيد بضغوط لوبي يسيطر على مفاصل القرار؟ وأي استقلالية هذه التي تسمح لـ”المنتخبين” بالتدخل في تدبير الشؤون الإدارية؟
فالتغييرات التي تشهدها عمالة الجديدة، وإن بدت “جديدة” في الأسماء، إلا أنها في المضمون تُعيد إنتاج نفس المنطق القديم: منطق “المحاباة” والولاءات الشخصية وتصفية الحسابات.
هذا “التدوير” يطرح إشكاليات وجودية: أين هي الكفاءات الحقيقية التي يفترض أن تقود الإصلاح؟ ولماذا تُفضل “الولاءات” على “الكفاءة” في تعيين المسؤولين؟ وكيف يمكن بناء مؤسسات قوية بينما تُدار بـ”عقلية المحاصصة”؟
وتحويل الإصلاح من مشروع مجتمعي إلى عملية تدوير أسماء لا يُهدد فقط نجاعة التدبير الترابي، بل يُرسّخ ثقافة الإفلات من المحاسبة التي لطالما عانت منها الإدارات المحلية في المغرب.
فالإصلاح لا يتحقق بمجرد التخلص من الأسماء التي لا تتماشى مع الأهواء وتغييرها، بل بتحقيق استقلالية حقيقية للمؤسسات، وإعطاء الأولوية للمصلحة الوطنية على حساب الولاءات الشخصية.
هذا المطلب المشروع يطرح أسئلة محرجة: كيف يمكن ضمان استقلالية العامل في تدبير الشؤون الترابية بينما هو محاصر بضغوط سياسية؟ وأين هي آليات الربط بين المسؤولية والمحاسبة التي يفترض أن تحكم عمل المسؤولين؟ ولماذا لا تُعلن معايير التعيين في المناصب الحساسة لضمان الشفافية وتكافؤ الفرص؟
واستمرار “الغموض” حول معايير اختيار المسؤولين لا يُغذي فقط شكوك المواطنين، بل يُضعف ثقة الساكنة في قدرة الدولة على تدبير شؤونها بكفاءة ونزاهة.
اليوم يمكن القول بدون مواربة بأن قوة عمالة الجديدة لا تقاس فقط بحجم المهرجانات والفعاليات التي تُنظم لتلميع الصورة، بل بمدى احترام قواعد الحكامة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان تدبير رشيد للموارد العمومية.
فحين تُصرف الملايير على مهرجانات بينما البنية التحتية تتدهور، وحين تُنظم حفلات تدشين لمشاريع وهمية، فإن ذلك لا يعدو أن يكون “تزييفاً للواقع” لا “تنمية حقيقية”، والسؤال الذي يفرض نفسه: أين هي الأولويات الحقيقية لإقليم الجديدة؟ هل هي “الواجهات” التي تُلمع الصورة، أم “الخلفيات” التي تُحسن حياة المواطنين؟
وفي زمن أصبحت فيه المعلومة تنتشر بسرعة الضوء، فإن أفضل جواب على كل هذه التساؤلات هو الشفافية الكاملة وفتح الملفات أمام الرأي العام، فلا يمكن لمحاسبة المسؤولين أن تتحقق في الظلام، ولا يمكن لاستعادة الثقة أن تتم دون إفصاح وتوضيح، والسؤال المحرج: لماذا لا تعلن عمالة الجديدة عن معايير تدبيرها؟ ولماذا لا تُنشر تقارير دورية حول إنجازات المسؤولين ومحاسبتهم؟ واستمرار “ثقافة التعتيم” لا يحمي المسؤولين، بل يُعرضهم للشكوك، ويُهدر مصداقية المؤسسات في نظر المواطنين.
لم يعد اليوم مقبولاً أن تُترك عمالة الجديدة رهينة “لوبي المنتخبين” وثقافة المحسوبية، ما يحتاجه المواطنون اليوم هو إعلان رسمي وواضح لمعايير تعيين المسؤولين في المناصب الحساسة، لضمان الكفاءة والشفافية.
كما يتطلب الأمر تفعيل آليات الاستقلالية للعامل في تدبير الشؤون الترابية، بعيداً عن ضغوط اللوبيات والمصالح الضيقة، بالإضافة إلى ربط حقيقي بين المسؤولية والمحاسبة، مع نشر تقارير دورية حول أداء المسؤولين ونتائج تقييمهم.
ويُنتظر أيضاً اعتماد شفافية كاملة في تدبير الموارد العمومية، مع إشراك المجتمع المدني في مراقبة المشاريع والصفقات، وأخيراً، يجب إعطاء الأولوية للمصلحة العامة على الولاءات الشخصية، لضمان أن يكون “الإصلاح” مشروعاً مجتمعياً لا “عملية تدوير أسماء”.
وفي الأخير، يمكن التأكيد على أن ما تعيشه الجديدة مع “أزمة تدبير المسؤوليات” ليس “حدثاً إدارياً عادياً”، بل هو اختبار لمصداقية الإصلاح الترابي وقدرة المسؤولين على تجاوز “عقلية المحاباة” لخدمة المصلحة العامة، فإما أن يجرؤ العامل صالح دحا، والسلطات المعنية، على قطع الطريق على “لوبي المنتخبين”، وضمان استقلالية المؤسسات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإما أن تستمر “ثقافة المحاصصة” التي تُحوّل الجديدة من إقليم واعد إلى “ساحة تصفية حسابات” وتُهدر ثقة المواطنين في قدرة الدولة على التدبير الرشيد.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد