من الترند إلى القانون.. عريضة إلغاء الساعة الإضافية تختبر مصداقية الديمقراطية التشاركية في المغرب

هبة زووم – الرباط
في زمن كانت فيه النقرات الإلكترونية عملة رخيصة للتعبير، والتوقيعات الرقمية بديلاً عن الإرادة الملزمة، جاءت اللجنة الوطنية المطالبة بإلغاء الساعة الإضافية لتُسدل الستار على مرحلة الضجيج وتنتقل إلى ورشة القانون، في قرار لا يُعتبر مجرد إجراء تقني روتيني، بل هو اختبار عسير لصدقية الديمقراطية التشاركية ونفوذ البيروقراطية.
مشهد لا يُثير فقط حماس الموقعين الإلكترونيين، بل يطرح سؤالاً وجودياً مُحرجاً: إذا كانت إرادة 300 ألف مواطن تُختزل في مصفاة 4 آلاف توقيع مقيد، فلماذا استمرت كل هذه السنوات؟ وأي مشاركة مواطنة هذه التي سمحت لتجار الإجراءات بأن يتحكموا في مصير مطلب شعبي عبر دهاليز القانون التنظيمي؟
فبينما كانت الحملة تستغل الزخم الرقمي لإيهام الرأي العام بأن الصوت مسموع، تنتقل اللجنة الآن إلى طريق الشروط الشكلية، مُعلنة بخطواتها لا بشعاراتها أن باب العرائض مفتوح لكل من استوفى الشروط، وأن زمن الترند كوسيلة ضغط قد يواجه جدار التعقيد الإداري. سؤال بسيط لكنه قاسٍ: إلى متى سيستمر عبث التوقيعات بينما يُترك المواطن البسيط ينتظر حلاً حقيقياً لملفه؟ وأي ديمقراطية تشاركية هذه التي تُحوّل الحق الدستوري من أداة تغيير إلى منحة للإجراءات؟
ورغم التحولات الجديدة التي طرأت على ملف الساعة الإضافية بانتقال العريضة من الرقمنة إلى القانون، إلا أن الفجوة الصارخة بين 300 ألف توقيع إلكتروني و4 آلاف توقيع مقيد في اللوائح الانتخابية لا تزال تصر على مواصلة هذا المسار الذي بوأ الإجراءات أحسن المقاعد في خريطة تعطيل الإرادة الشعبية بأبخس الأثمان.
هذا الانزياح القيمي يطرح إشكاليات غير مسبوقة: لماذا لا تُعلن الدولة عن تسهيل مساطر العرائض بشكل يتلاءم مع العصر الرقمي، بدلاً من الاكتفاء بشروط ورقية تعيد إنتاج البيروقراطية؟ وأين هي آليات الاعتراف بالتوقيع الإلكتروني التي تمنع تحويل إرادة المواطنين من قوة ضغط إلى أرقام مهملة؟ وكيف يمكن للمواطن أن يثق في الشراكة بينما تُترك الأغلبية الصامتة تُوجه القرارات الإدارية عبر قنوات ضيقة؟
فتحويل حق العريضة من أداة مشاركة إلى امتياز للمقربين من الإجراءات لا يُهدر فقط مبدأ الديمقراطية التشاركية، بل يُرسّخ ثقافة اللامساواة المؤسسية التي تُقدم الولاءات الإجرائية على الإرادة الشعبية، وراحة الإدارة على راحة المواطن.
هذه اللجنة التي كانت تدخل إلى فضاء الترند الرقمي وكأنها تدخل إلى ساحة عمومية، فوجئت مع عهد القانون التنظيمي 44.14 أن سهولة النقر لم يعد لها مكان، حيث أصبح باب العريضة مفتوحاً لكل صاحب بطاقة وطنية ومقيد في اللوائح، أو جلسات تجميع التواقيع فلم يعد لها مكان دون تعقيدات.
هذا التشبيه القاسي يطرح أسئلة محرجة: لماذا لا تُفعل مدونة سلوك دراسة العرائض التي تضمن حيادة التعامل مع كل الملفات بعيداً عن التأجيل الممنهج؟ وأين هي شفافية الآجال التي تمنع أي تجميد مسبق للقرارات حسب الأجندات الخفية؟ وكيف يمكن بناء ثقة بين المواطن والمؤسسات بينما تُترك العرائض رهينة 60 يوماً للدراسة و30 يوماً للرفض؟
فتحويل لجنة العرائض من فضاء استجابة إلى غرفة انتظار لا يُهدر فقط مصداقية المؤسسات، بل يُعمّق شعور المواطنين بالعجز المؤسسي الذي يُحوّل المسؤول من خادم للمواطن إلى حاجز أمام حقوقه.
وفي هذا الوطن الشاسع، حيث ينتظر المواطنون تغييراً ينظم وقتهم ويحفظ صحتهم، يجد بعض الفاعلين في مواقع التواصل الاجتماعي متنفّسًا وحيدًا للتعبير، لكنهم في الوقت نفسه يظلون عرضة لتأثير بعض حراس الإجراءات، الذين يتقنون لعبة تعقيد المساطر بأبخس الأثمان، مستغلين تعقيد القانون، واستمرار الأمية الإجرائية، بل والثقافة الإدارية كذلك.
هذا الواقع المر يطرح إشكاليات استراتيجية: لماذا لا تُعلن الحكومة عن موقف مبدئي من ملف التوقيت بدلاً من الاكتفاء بوعود الدراسة؟ أين هي آليات المواكبة التي تحمي المواطن من تجار الإجراءات وسماسرة التواقيع؟ وكيف يمكن ضمان تفاعل ديمقراطي نزيه بينما تُترك العرائض رهينة الفحص الشكلي والولاءات الإجرائية؟
إن تحويل المشاركة اليوم من رسالة خدمة إلى ساحة إجراءات لا يُهدر فقط فرص الإصلاح، بل يُرسّخ ثقافة اللامبالاة القيمية التي تُقدم الكرسي الإداري على المبدأ، والمصلحة الإجرائية على المصلحة العامة.
اليوم وضع المنظمون حدّاً لمرحلة الترند بانتقالهم إلى القانون، أدخل بعض المسؤولين في تيه كبير، حيث أصبحت تجد صعوبة في تجاهل الملف أمام مريديه، كونها لم تعد تستطيع الدخول إلى دهاليز الرفض دون أمر يهم الساكنة يتم حله دون إبطاء.
هذا القرار الشجاع يطرح سؤالاً وجودياً: هل يتحول قطع الطريق على بيروقراطية الرفض إلى نموذج يُحتذى في باقي ملفات العرائض بالمملكة؟ أم أن ثقافة الإجراءات ستجد طرقاً أخرى للالتفاف على إرادة المواطنين؟
لم يعد مقبولاً أن تُترك مبادرة 300 ألف مواطن رهينة طقوس القانون وصمت اللجان، فما يحتاجه المواطنون والمهتمون بالشأن المحلي اليوم هو اعتماد شفافية راديكالية في دراسة العرائض واتخاذ القرارات، مع نشر معايير واضحة للقبول والرفض، مع مراجعة شاملة لـ”القانون 44.14″، لضمان أن صوت البسيط لا يُدفن وراء شروط التواقيع.
ما تعيشه مبادرة الساعة الإضافية مع ملف العريضة القانونية ليس إجراءً إدارياً عادياً، بل هو اختبار وجودي لمصداقية الديمقراطية التشاركية وقدرة المؤسسات على تجاوز “عقلية التعقيد” لخدمة المصلحة العامة.
فإما أن تتحول الوعود الدستورية من شعار إلى ممارسة يومية، مع إرادة سياسية حقيقية وموارد بشرية مُلتزمة ومساءلة فعلية، وإما أن تستمر ثقافة الإجراءات التي تُحوّل المشاركة من رسالة خدمة إلى ساحة تعقيد وتُهدر ثقة المواطنين في قدرة مؤسساتهم على تمثيلهم بكرامة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد