هبة زووم – محمد خطاري
بعد سنوات من سياسة التفويت العشوائي لخدمات الحراسة والنظافة والاستقبال وتدبير النفايات الطبية داخل المستشفيات، خرج وزير الصحة والحماية الاجتماعية أمين التهراوي ليعترف – متأخراً – بفشل هذا الخيار، مؤكداً أن التجربة لم تجلب سوى الفوضى والمهزلة.
الوزير، في عرضه أمام لجنة القطاعات الاجتماعية بمجلس النواب، كشف معطيات صادمة: أكثر من 70% من الشركات المتعاقدة لا علاقة لها بالقطاع الصحي، ورغم ذلك تحصد صفقات تصل إلى خمسة ملايين درهم، في حين أن رأسمال بعضها لا يتعدى 10 آلاف درهم.
هذا الوضع يفضح كيف تحولت الصفقات العمومية إلى غنيمة لشركات “أشباح” لا تملك لا الكفاءة ولا الحد الأدنى من المؤهلات.
الأخطر من ذلك أن هذه الشركات تشغل عمالاً غير مؤهلين يتقاضون أجوراً مهينة لا تتجاوز 1600 درهم، وقد تنزل إلى 1000 أو 600 درهم، ما يكرس الهشاشة ويضرب كرامة العامل البسيط.
ومع غياب المراقبة، يدفع هؤلاء الأجراء إلى البحث عن “دخل إضافي” عبر ممارسات غير قانونية، في ما يُعرف بـ”التبزنيس” و”التدويرات”، ليصبح المستشفى فضاءً للارتجال بدل أن يكون مؤسسة تُقدِّم خدمة عمومية.
في مشهد عبثي، أقر الوزير بأن بعض أفراد الحراسة أصبحوا أصحاب الحل والعقد داخل المستشفيات، بل وصل الأمر في حالات إلى تقمصهم دور الأطباء في غفلة من الجميع.
هذه ليست فقط مهزلة، بل خطر حقيقي على حياة المواطنين، ويكشف إلى أي حد تُركت المؤسسات الصحية رهينة لشركات تبحث عن الربح السريع على حساب صحة المغاربة.
اعتراف الوزير، رغم جرأته، لا يُعفيه من المسؤولية ولا يبرئ الحكومة من خيار خاطئ كلف القطاع الصحي غالياً، فالمطلوب اليوم ليس فقط تشخيص الأعطاب، بل قطع نهائي مع هذه الصفقات وإرجاع الخدمات الأساسية إلى التدبير العمومي المباشر، حيث الأولوية للصالح العام لا للأرباح السهلة.
إن ما كشفه التهراوي يضع وزارة الصحة أمام امتحان صعب: إما أن تُنهي هذه الفوضى وتستعيد هيبة المستشفى العمومي، أو أن تستمر في تكريس العبث، وتتحمل الحكومة حينها كامل المسؤولية أمام التاريخ والمجتمع.
تعليقات الزوار