بعد صمت طويل.. “الأحرار” يبحث عن شماعة المحكمة الإسبانية العليا ويتجاهل مسؤوليته السياسية عن مأساة سبتة
هبة زووم – الرباط
بعد أيام من الصمت الذي رافق واحدة من أكبر موجات الهجرة الجماعية التي عرفتها مدينة سبتة المحتلة، خرج المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار ببلاغ حاول من خلاله تفسير ما وقع، غير أن مضمونه أثار تساؤلات أكثر مما قدم من أجوبة، بعدما اختار توجيه الأنظار نحو قرار المحكمة العليا الإسبانية، في مقابل تجاهل أي تقييم أو مراجعة لحصيلة الحكومة التي يقودها الحزب، والتي يفترض أنها تتحمل، بحكم موقعها، المسؤولية السياسية الأولى عن تدبير الشأن العام.
فالآلاف من الشباب الذين خاطروا بحياتهم، والعشرات الذين فقدوا أرواحهم، لم يكونوا يبحثون عن تأويل قانوني لقرار قضائي إسباني، بل كانوا يبعثون برسالة احتجاج صامتة على واقع اجتماعي واقتصادي يزداد قسوة، عنوانه البطالة، وانسداد الأفق، وتراجع الثقة في قدرة السياسات العمومية على توفير الحد الأدنى من الأمل.
ورغم أن بلاغ الحزب استهل بالتعبير عن التعازي لأسر الضحايا، والإشادة بما وصفه بحكمة السلطات في تدبير الأزمة، فإنه تجنب الخوض في السؤال الجوهري: كيف وصلت الأمور إلى هذا المستوى من اليأس الذي دفع عشرات الآلاف إلى التوجه نحو سبتة المحتلة في مشهد غير مسبوق؟
وبدل أن يقدم الحزب تقييماً صريحاً لنتائج السياسات الحكومية، اختار التركيز على الحكم الصادر عن المحكمة العليا الإسبانية، معتبراً أنه قد يكون سبباً في تغذية أوهام الهجرة غير النظامية.
غير أن هذا الطرح، في نظر عدد من المتابعين، لا يفسر سوى جزء محدود من الظاهرة، بينما تبقى الأسباب العميقة كامنة في الداخل، حيث تتقاطع البطالة والهشاشة الاجتماعية وغلاء المعيشة مع شعور متزايد بالإحباط وفقدان الأمل.
فالحديث عن قرار قضائي أجنبي لا يعفي الحكومة من مسؤولية الإجابة عن أسئلة أكثر إلحاحاً: لماذا أصبح آلاف الشباب مستعدين للمخاطرة بحياتهم؟ ولماذا تحولت الهجرة إلى حلم جماعي لدى فئات واسعة من المواطنين؟ وأين هي نتائج البرامج الحكومية التي وعدت بتوفير فرص الشغل وتعزيز الدولة الاجتماعية وتحسين أوضاع الشباب؟
وإذا كان الحزب قد دعا إلى اعتماد مقاربة شمولية لمعالجة قضايا الشباب، فإن هذا الإقرار يطرح بدوره سؤالاً آخر: لماذا لم تتحول هذه المقاربة إلى سياسات ملموسة طوال سنوات تدبيره للحكومة؟ وكيف يمكن الحديث اليوم عن ضرورة مراجعة السياسات، بينما الحزب نفسه هو من يقود الجهاز التنفيذي ويتولى مسؤولية تنفيذ تلك السياسات؟
كما أن رفض المكتب السياسي لما سماه “المزايدات السياسية” لا يلغي الحاجة إلى ممارسة النقد والمساءلة، لأن تحميل المسؤولية السياسية للحكومة ليس مزايدة، بل هو جوهر العمل الديمقراطي، فالأحزاب التي تقود السلطة مطالبة، قبل غيرها، بتقديم كشف حساب أمام المواطنين، لا بالاكتفاء بإرجاع أسباب الأزمات إلى عوامل خارجية أو ظروف استثنائية.
لقد كشفت مأساة سبتة، بكل ما حملته من صور مؤلمة، عن أزمة تتجاوز تدبير الحدود إلى أزمة ثقة بين جزء من الشباب ومؤسسات الدولة. وهي أزمة لا يمكن تجاوزها ببلاغات سياسية أو بتبادل المسؤوليات مع أطراف خارجية، وإنما بإجراءات عملية تعيد الاعتبار للعدالة الاجتماعية، وتوفر فرص الشغل، وتحسن جودة الخدمات العمومية، وتمنح الشباب أسباباً حقيقية للبقاء في وطنهم.
فالرهان اليوم لم يعد يتعلق بتفسير ما وقع فقط، بل بالاعتراف بأن ما حدث لم يكن حادثاً معزولاً، وإنما نتيجة تراكمات اجتماعية واقتصادية وسياسية تستوجب مراجعة عميقة للسياسات العمومية.
أما الاكتفاء بإلقاء اللوم على قرار قضائي صادر خارج الحدود، فلن يجيب عن السؤال الذي يطرحه المغاربة بإلحاح: من يتحمل المسؤولية السياسية عن وصول آلاف الشباب إلى قناعة بأن مستقبلهم يوجد خارج وطنهم؟